على ثمد « 1 » قليل الماء ، إنّما يتبرّضه « 2 » الناس تبرّضا ، فشكوا إليه العطش ، فانتزع سهما من كنانته فركزه « 3 » فيه ، فواللَّه ما زال يجيش « 4 » لهم بالريّ حتّى صدورا عنه .
وبعث قريش حويطب بن عبد العزّى ، وبديل بن ورقاء الخزاعي ، وعروة بن مسعود الثقفي ، مع جماعة ، وابتدر عروة وجعل يكلَّم النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، وكلَّما كلَّمه أخذ بلحيته ، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ومعه السيف وعليه المغفرة « 5 » ، فكلَّما أهوى عروة بيده إلى لحية رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ضرب يده بنعل « 6 » السيف وقال : أخّر يدك عن لحية رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم قبل أن لا ترجع إليك . فقال : من هذا ؟ قال : المغيرة بن شعبة .
فخيّرهم رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بين المصالحة إلى مدّة معيّنة ، ورجوعه عن مكّة إلى أن تنقضي المدّة ، وبين أن يدعوه وأصحابه أن يدخلوا مكّة ويطوفوا ويحلَّوا ويرجعوا . ثمّ قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : والَّذي نفسي بيده لأقاتلنّهم على أمري هذا حتّى تنفرد سالفتي » أو لينفذنّ اللَّه عزّ وجلّ أمره .
فجعل عروة يرمق صحابة النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : إذا أمرهم رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ابتدروا أمره ، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلَّم خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدّون إليه النظر تعظيما له .
فرجع إلى قريش ، فقال لهم : واللَّه لقد وفدت على الملوك ، وفدت على قيصر
هامش
( 1 ) الثمد : الحفرة يجتمع فيها ماء المطر .
( 2 ) تبرّض الماء : ترشّفه ، أي : مصّه بشفتيه .
( 3 ) ركز الرمح ونحوه : غرزه في الأرض وأثبته .
( 4 ) أي : يفيض . والريّ والريّ : أن يشرب الماء حتّى يشبع .
( 5 ) المغفرة : زرد - أي : درع - يلبسه المحارب تحت القلنسوة .
( 6 ) نعل السيف : ما يكون في أسفل غمده من حديد أو فضّة .
( 7 ) السالفة : صفحة العنق . أراد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : حتّى يفرّق بين رأسي وجسدي .