أكلة العبد ، ويجلس جلسة العبد . وإن كان ليشتري القميصين فيخيّر غلامه خيرهما ، ثمّ يلبس الآخر ، فإذا جاز أصابعه قطعه ، وإذا جاز كعبه حذفه . ولقد ولي خمس سنين ما وضع آجرّة على آجرّة ، ولا لبنة على لبنة ، ولا أورث بيضاء ولا حمراء .
وكان يطعم الناس خبز البرّ واللحم ، وينصرف إلى منزله فيأكل خبز الشعير والزيت والخلّ . وما ورد عليه أمران كلاهما للَّه عزّ وجلّ فيه رضا ، إلَّا أخذ بأشدّهما على بدنه .
ولقد أعتق ألف مملوك من كدّ يمينه ، تربت منه يداه ، وعرق فيه وجهه . وما أطاق عمله أحد من الناس بعده .
ثمّ إنّه قد اشتهر
في الرواية أنّه عليه السّلام لمّا دخل على العلاء بن زياد بالبصرة يعوده قال له العلاء : يا أمير المؤمنين أشكو إليك أخي عاصم بن زياد ، لبس العباءة وتخلَّى من الدنيا .
فقال عليه السّلام : عليّ به . فلمّا جاء به قال : يا عديّ « 1 » نفسه لقد استهام بك الخبيث ، أما رحمت أهلك وولدك . أترى اللَّه أحلّ لك الطيّبات وهو يكره أن تأخذها ؟ ! أنت أهون على اللَّه من ذلك .
قال : يا أمير المؤمنين هذا أنت في خشونة ملبسك ، وجشوبة « 2 » مأكلك ! قال : ويحك ! إنّي لست كأنت ، إنّ اللَّه تعالى فرض على أئمّة الحقّ أن يقدّروا أنفسهم بضعفة الناس ، كيلا يتبيّغ « 3 » بالفقير فقره .
روي : أنّ النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم دخل على أهل الصفّة « 4 » وهم يرقّعون ثيابهم
هامش
( 1 ) أي : مبغض نفسه . من : عدي لفلان : أبغضه . فهو على زنة : وفيّ . واستهام بك الخبيث أي :
وسوس فيك الشيطان ، فذهب فؤادك ، وسلب عقلك . من : أستهيم فؤاده أي : ذهب فؤاده وسلب عقله من الحبّ أو غيره .
( 2 ) جشب الطعام : غلظ . فهو جشب .
( 3 ) أي : يهيج ويثور . من : باغ الدم أي : هاج وثار .
( 4 ) أهل الصفّة : فقراء كانوا يجلسون في صفّة مسجد النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم . وصفّة المسجد : مقعد بالقرب منه مظلَّل .