تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زبدة التفاسير — صفحة 580

مساهمون:

ص٥٨٠
* ( مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَناً ) * فإنّه يخلق من بعض أجزاء الدم المتولَّد من الأجزاء اللطيفة الَّتي في الفرث ، وهي الأشياء المأكولة المنهضمة بعض الانهضام في الكرش . وعن ابن عبّاس : « أنّ البهيمة إذا اعتلفت وانطبخ العلف في كرشها ، كان أسفله فرثا ، وأوسطه لبنا ، وأعلاه دما » الحديث . فالكبد مسلَّطة على هذه الأصناف الثلاثة تقسّمها ، فتجري الدم في العروق ، واللبن في الضرع ، وتبقى الفرث في الكرش . فسبحان اللَّه ما أعظم قدرته ، وألطف حكمته ، لمن تفكّر وتأمّل . قال صاحب الأنوار بعد ذكر هذا الحديث : « إن صحّ هذا النقل فلعلّ المراد أنّ أوسطه يكون مادّة اللبن ، وأعلاه مادّة الدم الَّذي يغذّي البدن ، لأنّهما لا يتكوّنان في الكرش ، بل الكبد يجذب صفاوة الطعام المنهضم في الكرش ، ويبقى ثفله وهو الفرث ، ثمّ يمسكها ريثما يهضمها هضما ثانيا ، فيحدث أخلاطا أربعة معها مائيّة ، فتميّز القوّة المميّزة تلك المائيّة بما زاد على قدر الحاجة من المرّتين ، وتدفعها إلى الكلية والمرارة والطحال ، ثمّ يوزّع الباقي على الأعضاء بحسبها ، فيجري إلى كلّ حقّه على ما يليق به ، بتقدير العليم الحكيم . ثمّ إن كان الحيوان أنثى زاد أخلاطها على قدر غذائها ، لاستيلاء البرد والرطوبة على مزاجها ، فيندفع الزائد أولا إلى الرحم لأجل الجنين ، فإذا انفصل انصبّ ذلك الزائد أو بعضه إلى الضروع ، فيبيض بمجاورة لحومها الغدديّة البيض ، فيصير لبنا . ومن تدبّر صنع اللَّه في إحداث الأخلاط والألبان ، وإعداد مقارّها ومجاريها ، والأسباب المولَّدة لها ، والقوى المتصرّفة فيها كلّ وقت على ما يليق به ، اضطرّ إلى الإقرار بكمال حكمته وتناهي رحمته » « 1 » . واعلم أنّ « من » الأولى تبعيضيّة ، لأنّ اللبن بعض ما في بطونها ، كقولك :
هامش
( 1 ) أنوار التنزيل 3 : 185 .