تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زبدة التفاسير — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
تعالى : * ( فَلَمَّا ذَهَبُوا بِه ) * « 1 » ، للإيجاز وأمن الإلباس ، كأنّه قيل : فلمّا أضاءت ما حوله خمدت فبقوا متحيّرين متحسّرين على فوت الضوء . وإسناد الإذهاب إلى اللَّه تعالى إمّا لأنّ الإطفاء حصل بسبب خفيّ أو أمر سماوي كريح أو مطر ، أو للمبالغة ، ولذلك عدّي الفعل بالباء دون الهمزة ، لما فيها من معنى الاستصحاب والاستمساك ، يقال : ذهب السلطان بماله إذا أخذه ، وما أخذه اللَّه وأمسكه فلا مرسل له ، فهو أبلغ من الإذهاب . ولذلك عدل عن الضوء الَّذي هو مقتضى قوله : « فَلَمَّا أَضاءَتْ » إلى النور ، فإنّه لو قيل : ذهب اللَّه بضوئهم ، احتمل ذهابه بما في الضوء من الزيادة وبقاء ما يسمّى نورا ، والغرض إزالة النور عنهم رأسا ، ألا ترى كيف قرّر ذلك وأكّده بقوله : * ( وتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ ) * فذكر الظلمة الَّتي هي عدم النور بالكلَّية ، وجمعها ، ووصفها بأنّها ظلمة خالصة لا يتراءى فيها شبح أصلا . و « ترك » في الأصل بمعنى : طرح وخلَّى ، وله مفعول واحد ، وإذا ضمّن معنى « صيّر » تعدّى إلى مفعولين ، وجرى مجرى أفعال القلوب ، كقول عنترة « 2 » : فتركته جزر السّباع ينشنه . . . أي : طعمة السباع يأكلنه . ومنه قوله تعالى : * ( « وتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ » ) * . أصله : هم في ظلمات ، ثم دخل « ترك » فنصب الجزأين . والظلمة مأخوذة من قولهم : ما ظلمك أن تفعل كذا ؟ أي : ما منعك ؟ لأنّها تسدّ البصر وتمنع الرؤية . وظلماتهم : ظلمة الكفر ، وظلمة النفاق ، وظلمة يوم القيامة . أو ظلمة الضلال ، وظلمة سخط اللَّه ، وظلمة العقاب السرمد . أو ظلمة شديدة كأنّها ظلمات متراكمة بعضها فوق بعض .
هامش
( 1 ) يوسف : 15 . ( 2 ) ديوان عنترة : 26 . وعجز البيت : يقضمن حسن بنانه والمعصم .