وعن أبي عبد اللَّه عليه السّلام : « أنّ لكلّ شيء ذروة ، وذروة القرآن آية الكرسي » « 1 » .
ولمّا ذكر سبحانه اختلاف الأمم وأنّه لو شاء لأكرههم على الدين ، ثمّ بيّن دين الحقّ وهو التوحيد ، عقّبه بأنّ الحقّ قد ظهر والعبد قد خيّر ، فقال : * ( لا إِكْراه فِي الدِّينِ ) * يعني : لم يجر اللَّه أمر الإيمان على القسر والإجبار ، بل على التمكين والاختيار ، فأمور الدين جارية على التمكّن والاختيار ، لا على القسر والإجبار .
ونحوه * ( ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِه النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) * « 2 » أي : لو شاء لأجبرهم على الإيمان ، لكنّه لم يفعل ، وبنى الأمر على الاختيار . وقيل : هو بمعنى النهي ، أي : لا تكرهوا في الدين .
ثمّ قالوا : هو منسوخ بآية السيف ، وهو قوله تعالى : * ( جاهِدِ الْكُفَّارَ والْمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ) * « 3 » . وقيل : مخصوص بأهل الكتاب إذا أدّوا الجزية ، لما روي أنّ أنصاريّا كان له ابنان تنصّرا قبل المبعث ، ثمّ قدما المدينة فلزمهما أبوهما وقال : واللَّه لا أدعكما حتى تسلما ، فأبيا ، فاختصموا إلى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، فقال الأنصاري : يا رسول اللَّه أيدخل بعضي النار وأنا أنظر إليه فنزلت ، فخلَّاهما .
* ( قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ) * قد تميّز الإيمان من الكفر بالآيات النيّرة والأدلَّة الواضحة ، ودلَّت الدلائل على أنّ الإيمان رشد يوصل إلى السعادة الأبديّة ، والكفر غيّ يؤدّي إلى الشقاوة السرمديّة ، والعاقل متى تبيّن له ذلك بادرت نفسه إلى الإيمان طلبا للفوز بالسعادة والنجاة ، ولم يحتج إلى الإكراه والإلجاء .
* ( فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ ) * بالشيطان أو الأصنام ، أو كلّ ما عبد من دون اللَّه أو صدّ عن عبادة اللَّه . فعلوت من الطغيان ، قلبت عينه ولامه ، يستوي فيه الجمع
هامش
( 1 ) مجمع البيان 1 : 360 - 361 .
( 2 ) يونس : 99 .
( 3 ) التوبة : 73 .