تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زبدة التفاسير — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
الجانّ ، فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء ، فبعث اللَّه ملائكة أجلتهم من الأرض ، وفرّقتهم في الجزائر والجبال ، وكان هؤلاء الملائكة سكّان الأرض بعدهم ، فبما قال اللَّه سبحانه لهم : * ( إِنِّي جاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ) * قاسوا بالشاهد على الغائب * ( قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ) * تعجّبا من أن يستخلف لعمارة الأرض وإصلاحها من يفسد فيها كما فعل بنو الجانّ ، أو يستخلف مكان أهل الطاعة أهل المعصية . وهذا السؤال ليس سؤال اعتراض ، بل سؤال استكشاف عمّا خفي عليهم من الحكمة الَّتي بهرت تلك المفاسد ، واستخبار عمّا يرشدهم ويزيح شبهتهم ، كسؤال المتعلَّم معلَّمه عمّا يختلج في صدره ، فليس باعتراض على اللَّه تعالى ، ولا طعن في بني آدم على وجه الغيبة ، فإنّهم أعلى من أن يظنّ بهم ذلك ، لقوله : * ( بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَه بِالْقَوْلِ وهُمْ بِأَمْرِه يَعْمَلُونَ ) * « 1 » . وقيل : عرفوا ذلك بإخبار من اللَّه ، أو تلقّ من اللوح ، أو استنباط عمّا ركز في عقولهم أنّ العصمة من خواصّهم . والسّفك والسّبك والسّفح والشنّ أنواع من الصّبّ . فالسفك يقال في الدّم والدّمع ، والسّبك في الجواهر المذابة ، والسّفح في الصبّ من أعلى ، والشنّ في الصبّ من فم القربة ونحوها ، وكذلك السنّ . وقوله : * ( ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ ) * حال مقرّرة لجهة الإشكال ، كقولك : أتحسن إلى أعدائك وأنا الصّديق المحتاج ؟ ! والمعنى أتستخلف عصاة ونحن معصومون أحقّاء بذلك ؟ والمقصود منه الاستفسار عمّا رجّحهم مع ما هو متوقّع منهم من الاستخلاف ، لا العجب والتفاخر . وكأنّهم علموا أنّ المجعول خليفة ذو ثلاث قوى عليها مدار أمره : شهويّة وغضبيّة تؤدّيان به إلى الفساد وسفك الدماء ، وعقليّة تدعوه إلى المعرفة والطاعة ، فقالوا : ما الحكمة في استخلافه وهو
هامش
( 1 ) الأنبياء : 26 - 27 .