على وسائلنا المحدودة للملاحظة ، ولا تزال قضية الحقيقة في عالم العلم قضية عملية
نفعية Pragmatic Affair ( 1 )
* * *
ولا يزال العلماء بعد هذا يعتبرون ان الفرض الذي يفسر ملاحظاتهم لا يقل في قيمته
عن الحقيقة الملحوظة نفسها ، فهم لا يستطيعون ان يقولوا : ان الحقائق الملحوظة هي
وحدها العلم ، وان ما سواها من النظريات الشارحة لا تدخل في نطاق ( العلم ) ، لأنها
غير ملحوظة . . والحق ان هذا هو ما نسميه الايمان بالغيب ، وهو بالنسبة إلى المؤمنين
ليس سوى الايمان بحقائق غير ملحوظة ، فهو ليس بعقيدة عمياء ، وانما هو خير تفسير
للحقائق التي يشاهدها العلماء . .
* * *
وكما رفض العلماء نظرية الضوء التي قدمها نيوتن وتعرف باسم Corpuscular Theory of
Light لأنها لم تنجح في تفسير مظاهر حديثة للضوء ، فإننا نرفض أفكار الفلاسفة
الملحدين ، لأنها فشلت في تفسير مظاهر الطبيعة .
ان مأخذ حقائق الدين هو نفس المأخذ الذي يستقي منه العلم الحديث ملاحظاته ، لكي يثبت
نظرية علمية . ولقد انتهينا بعد دراسة الحقائق الملحوظة إلى أن تفسير الدين للطبيعة
هو عين الحق حتى أن هذا التفسير لم يتغير ولن يتغير على مر الدهور ، على حين ان كل
نظرية صاغها الانسان منذ قرن أو أكثر أو أقل قد رفضت أو أصبحت موضع شك الآن ،
وان صدق الدين ليتجلى بعد كل خطوة نخطوها في الملاحظة حتى ليصبح كل كشف علمي جديد
تصديقا لحقائق الدين !
ولسوف نطالع أفكار الدين من هذه الناحية في الأبواب التالية .
* * *
هامش
( 1 ) J . W . N . Sullivan , Limitations of Science , p . 158 .