والأساس الثاني : وقد ازداد العلماء يقينا بعد البحوث العلمية في ميدان علم النفس ،
حين توصلوا إلى نتائج تثبت ان الدين نتاج اللا شعور الانساني ، وليس انكشافا لواقع
خارجي .
ويقول عالم كبير من علماء النفس :
God is nothing but a projdction of man on a Cosmic screen
ليس الاله سوى انعكاس للشخصية الانسانية على شاشة الكون . وما عقيدة الدنيا
والآخرة الا صورة مثالية للأماني الانسانية ، وما الوحي والالهام الا إظهار غير عادي
لأساطير الأطفال المكبوتة ( Childhood Repression ) ( 1 ) .
* * *
ويرى علم النفسي الحديث ان العقل الانساني مركب من شيئين هما : ( الشعور ) ، وهو مركز
الأفكار التي تخطر على قلوبنا في ظروف عادية ، و ( اللا شعور ) وهو مخزن الأفكار التي
مرت بنا ونسيناها ، ولا تظهر الا في أحوال غير عادية ، كالجنون والهستيريا . وهذا
القسم الثاني أكبر بكثير من الأول . ويمكن ان نمثل لهما بجبل من الجليد ، فلو قسمناه
تسعة اجزاء لكان منها ثمانية في جوف البحر ، ولظهر جزء واحد على السطح .
اكتشف فرويد بعد جهد طويل ان اللا شعور قد يقبل أفكارا في الطفولة ، وتؤدي إلى اعمال
غير عقلية ، وهذا ما يحدث بالنسبة إلى العقائد الدينية : فان فكرة الجحيم والجنة ترجع
إلى صدى الأماني التي تنشأ لدى الانسان ابان طفولته ، ولكن لم تسنح له الفرصة
لتحقيقها ، فتبقى دفينة في اللا شعور ، ثم يفرض اللا شعور بدوره حياة أخرى يتيسر له
فيها تحصيل ما كان يتمناه ، شان الرجل الذي قد لا يظفر بما يحب في الواقع فيحصله في
المنام . وهكذا خرجت عقدة التفرقة بين الصغير والكبير ( Father complex ) ؟ من الجرائم
الاجتماعية ، فصاغوا منها نظرية على مستوى الكون والسماء .
ويقول رالف لنتون :
ان عقيدة القادر المطلق الظالم في نهاية الامر ، الذي لا يرضى الا بالطاعة الكاملة
والوفاء ، كانت أول ما أنتجه نظام المجتمع السامي . لقد خلق هذا النظام جبروتا غير
عادي . وكانت نتيجته ان شريعة موسى خرجت بقوائم ضخمة مفصلة عن المحرمات في كل مجال
من الحياة الانسانية . وقد آمن بهذه القوائم الطويلة العوام الذين كانوا يتقبلون
احكام آبائهم العمياء ويطيعونها . وما التصور الإلهي ( اليهودي ) الا خيال مثالي لأب
سامي ، مع شئ من المبالغة والتجريد في الأوصاف والطاقات ( 2 )
هامش
( 1 ) Iqbal Review , April , 1962 .
( 2 ) Tree of Culture , Ralph Linton .