وعلى الرغم من الاحكام التي قدمها علم النفس حول امكان ان يكون المرء محايدا في
أبحاثه ، أو لا ، فإنني أسلم نظريا بأنه لا بد لكل مؤلف ان يبذل قصارى جهده ، لكي يكون
محايدا ، من أجل الوصول إلى نتيجة ما ، وهذا هو ما يقصده كل كاتب امين . لكن هذا
الكاتب نفسه ، عندما يجلس إلى مكتبه في الواقع لا نجده باحثا عن الحقيقة أثناء
كتابته ، بل يكون قد توصل إلى احكام محددة المعالم .
وهناك طريقة أخرى ، هو ان يسرد المؤلف قصة بحثه بجميع مراحلها ، غير أن اعتبار مثل
هذا الكتاب محايدا لا يعدو ان يكون قناعا مزركشا تختبئ تحته أهداف المؤلف . فليس
هناك من كاتب يبدأ دراسته عندما تبدأ الكتابة ، وانما هو يعرض نتائج بحثه في كتابه .
فالكتاب انما يكون ذاتيا أو موضوعيا ، بالنظر إلى طريقة ترتيبه للموضوعات ، ولا علاقة
لهذا الترتيب بحياد البحث أو موضوعيته .
* * *
لقد وردت كلمة ( الدين ) كثيرا في هذا الكتاب ، وليس لاحد ان يغالط في هذا الموضوع . .
فان الكتاب يدور حول موضوع عام ، ولذلك كان لاستعمال الكلمة العامة أهميته . اما ذهن
المؤلف ، فإنه لا يقصد بالكلمة شيئا وهميا ، وانما يعني ( الدين ) المعتمد عند الله
تعالى الآن وهو دين الاسلام . وانا حين أطالب مواطنا هنديا بمراعاة القانون ، فليس
معنى ذلك أنه تكفيه مراعاة قانون ما ، أو أي جزء من دستور الهند ، وانما عليه مراعاة
ذلك القانون الذي يعتبر دستور البلاد الرسمي . وهكذا ، فالمراد بالدين العملي اليوم
هو الاسلام ، مع أنه من الممكن اطلاقه على أي شئ عرف في التاريخ بذلك الاسم ، ولكن
الدين الذي يجلب رضا الله تبارك وتعالى ، والذي يكفل لمعتنقيه نجاة الآخرة ، هو
الاسلام لا غير . .
* * *
لقد تعرضت لسؤال بعد محاضرة ، ألقيتها في احدى الجامعات ، ذات مرة ، وكنت أشرت في
محاضرتي إلى مقال لفرويد ، فوقف أستاذ في علم النفس ، أثناء فترة الأسئلة ، وقال : (
لقد أشرتم إلى مقال لفرويد ، تأييدا لنظرية دينية ، على حين يعارض ( فرويد ) معارضة
كاملة تلك النظرية التي تمثلونها ) .
ومن الممكن إثارة هذا السؤال ، حول هذا الكتاب ، على نطاق أوسع . . فهناك اقتباسات
كثيرة وردت فيه ، ومن الجائز الا يوافق أصحابها على النتائج التي توصلت إليها .
وعلى سبيل المثال : الاقتباس الذي ورد في آخر الباب الخامس ( دليل الآخرة ) . ولكن هذا
الاعتراض غير ذي موضوع ، لان المؤلف لا يدعي ان هذه الشخصيات تؤيد قضاياه . . وبكلمة
أخرى ، لم يقل المؤلف : ان هذه القضية ، أو تلك ، صادقة لان فلانا يصدقها أو
الإسلام يتحدى — صفحة 22
مساهمون: وحيد الدين خان
ص٢٢