ان نظرية النشوء والارتقاء تستهدف اقرار فكرة التطور بصفة مستمرة بحيث تبلغ الحياة
أوجها عند النهاية . وبناء على هذا : لا بد من أن تحدث الأحوال السيئة في الماضي ، لا
في المستقبل . ويروق لهذه النظرية حياة الخلود في الجنة ، ولكنها لا تقبل الخلود في
نار الجحيم . ولذا ، ادعى العلماء المسلمون ، الذين قبلوا هذه النظرية ، ان الجحيم ليست
مكانا للعذاب ، وانما هي مركز للتربية والتزكية . فالحياة تواصل مسيرتها في مواجهة
الصعاب والمشكلات . والذين لم يستطيعوا مواصلة مسيرتهم بسبب عوائق الذنوب ، سوف يمرون
بأحوال الجحيم الصعبة ، حتى يواصلوا رحلتهم التطورية خلال الحياة القادمة . ومن هنا
ترى هذه الطائفة ان قوانين الملكية مثلا في الاسلام ، ليست الا ( احكاما مؤقتة ) ، فان
هذه القوانين لا تتفق ونظرية التطور الاجتماعي
ويمكن فهم نوعية الاعمال التي قام بها بعض علمائنا من المثالين المذكورين ، فهي
اعمال ناقصة ، رغم الجهود التي بذلت في صوغها . ولا يدعي المؤلف ان محاولته تخلو من
النقائص . ولكنه يقول : ان المحرك الحقيقي لمحاولته هو شعوره بان عملا من هذا القبيل
كان لابد ان يكون .
* * *
ان الطريقة التي يتبعها الكتاب للدفاع عن الدين ذات وجهين : فكرية وتجريبية ، وبعبارة
أخرى : فلسفية وعلمية ، ان صح التعبير . وقد راعى المؤلف الطريقة الثانية ، وهي
التجريبية أو العلمية . والسبب في ذلك أن مكتبتنا تزخر بمجلدات ضخمة من الكتب التي
وضعت على المنهج الأول ، على حين يوجد نقص شديد في الكتب من المنهج الثاني .
وانني لأشعر بأن المضمار الفسيح الذي هيأته الدراسات العلمية الحديثة لا ثبات
الدين ، هو تصديق لما جاء في القرآن ، في سورة النمل : ( وقل الحمد لله ، سيريكم آياته
فتعرفونها ) . وهذا الكتاب محاولة لاستغلال الامكانات الجديدة لصالح الدين بطريقة
منظمة .
وهذا الكتاب ليس دراسة موضوعية ، بل هو دراسة ذاتية ، بناء على التقسيم الجديد للكتب .
وهذا الواقع ، كما يرى العقل الحديث ، هو ، من تلقاء نفسه ، صوت ضد الكتاب ! فكيف يمكن
الاعتماد على دراسة ذاتية ، قدمها عقل يستهدف اتجاها معينا ؟ وجوابا على هذا
الاعتراض ، الذي قد يثار ، انقل هنا عبارة للمستشرق النمسوي المسلم محمد أسد في مقدمة
أحد كتبه :
( ان هذا الكتاب لا يستهدف مسحا محايدا للمسائل بل هو عرض لقضية هي قضية الاسلام في
مواجهة الحضارة الغربية ) ( 1 ) .
هامش
( 1 ) Islam at the Crossroads , p . 6 .