منبع كلامه النبوي ، وينتهي اعتمادا على المناهج المعروفة ، إلى أن مصدر هذا الكلام
الغريب هو : ( اللا شعور ) . . . وهو يرى أن التعبير عن كلام اللا شعور بالوحي والالهام
يصلح ان يكون استعارة جميلة ، ولكنه يستحيل اعتباره واقعا حقيقيا .
ولذا ، فان مهمتنا لا تنتهي عند اثبات صدق نبوة رسول الاسلام ، بل علينا ان نضطلع
بالبحث عن الوحي والالهام ، ونثبت ان الوحي ينزل على أناس معينين ، من بينهم نبي
الاسلام .
* * *
كان هذا موقف من يتصدى لنقد الفكر الحديث ، دون فهم موقفه من القضية . وهناك نوع آخر
من علمائنا يدركون موقف الفكر الحديث من قضية الدين . ولكنهم ، لشدة تأثرهم بالفكر
الحديث ، يرون ان كل ما توصل اليه أئمة الغرب يعد من ( المسلمات العلمية ) ، ومن ثم
تقتصر بطولتهم على اثبات ان هذه النظريات ، التي سلم بها علماء الغرب ، هي نفس ما ورد
في القرآن الكريم ، وكتب الأحاديث الأخرى . وهذه الطريقة في التطبيق والتوفيق بين
الاسلام وغيره ، هي نفس الطريقة التي تتبعها شعوب الحضارات المقهورة تجاه الحضارات
القاهرة . واية نظرية تقدم على هذا النحو ، يمكنها أن تكون تابعة ، ولكنها لا يمكن أن تكون
رائدة ! ولو خيل إلى أحدنا انه يستطيع ان يغير مجال الفكر في العالم بمثل هذه
المحاولات التوفيقية ، ليشرق على البشرية نور الحق ، فهو هائم ولا شك في عالم خيالي ،
لا يمت إلى الحقائق بسبب . . فان تغيير الأفكار والمعتقدات لا يأتي من طريق التلفيق ،
بل عن طريق الثورة الفكرية .
وهذه الحالة تورطنا بصورة أكبر عندما تتعلق المسالة بجانب أساسي وهام من أفكار
الدين ، فلا بأس بان يقوم أحدنا بتفسير جديد لظاهرة ( الشهاب الثاقب ) التي وردت في
القرآن ، حين يجد كشفا جديدا في علم الفلك الحديث ، ولكننا لو قبلنا نظرية كلية
شاملة ، وذات علاقة بالمشكلات الأخرى التي تثار حول الدين ، فسوف يكون لذلك تأثير
عميق وكلي في هيكل الفلسفة الدينية بنفسه .
وأوضح مثال في هذا ، هو تلك الجماعة من علمائنا الذين قبلوا ( نظرية النشوء
والارتقاء ) ، لان علماء الغرب أعلنوا اقتناعهم الكامل بصدقها ، بعد دراساتهم
ومشاهداتهم . . واضطروا ، بناء على هذا ، إلى تفسير جديد للاسلام في ضوء النظرية
الجديدة ، وحين احتاجوا إلى لباس جديد ، قاموا بتفصيل ثوب الاسلام مرة أخرى ، ولكنه
ثوب مشوه المعالم ، لا اثر فيه من روح الاسلام ، التي ضاعت مع الاجزاء المقطعة في
عملية التلفيق الجديدة .
الإسلام يتحدى — صفحة 20
مساهمون: وحيد الدين خان
ص٢٠