الذي يسود السماء ساعتي الصباح والمساء ، يغيب حينا من الوقت لشدة شمس الظهيرة ، وهذا
هو ما حدث بالنسبة إلى هرقل ، فقد تحول أرقاديوس ( 1 ) القصور إلى قيصر ميدان
الحرب ( 2 ) فجأة ، واستطاع أن يستعيد مجد الروم خلال ست حروب شجاعة شنها ضد الفرس .
وكان من واجب المؤرخين الروم أن يزيحوا الستار عن الحقيقة ، تبيانا لأسرار هذه
اليقظة والنوم ، وبعد هذه القرون التي مضت يمكننا الحكم بأنه لم تكن هناك دوافع
سياسية وراء هذه البطولة ، بل كانت نتيجة غريزة هرقل الذاتية ، فقد انقطع عن كافة
الملذات ، حتى أنه هجر ابنة أخته مارتينا ؟ التي تزوجها لشدة هيامه بها ، رغم أنها
كانت محرمة عليه ( 3 ) .
* * *
هرقل ؟ ذلك الملك الغافل الفاقد العزيمة ؟ وضع خطة عظيمة لقهر الفرس ، وبدأ في تجهيز
العدة والعتاد ، ولكن رغم ذلك كله ، عندما خرج هرقل مع جنوده ، بدا لكثيرين من سكان
القسطنطينية أنهم يرون آخر جيش في تاريخ الإمبراطورية البيزنطية .
وكان هرقل يعرف أن قوة الفرس البحرية ضعيفة ، ولذلك أعد بحريته للغارة على الفرس من
الخلف . وسار بجيوشه عن طريق البحر الأسود إلى أرمينيا ، وشن على الفرس هجوما
مفاجئا في نفس الميدان الذي هزم فيه الإسكندر جيوش الفرس ، لما زحف على أراضي مصر
والشام . ولم يستطع الفرس مقاومة هذه الغارة المفاجئة ، فلاذوا بالفرار .
وكان الفرس يملكون جيشا كبيرا في آسيا الصغرى ، ولكن هرقل فاجأهم بأساطيله مرة
أخرى ، وأنزل بهم هزيمة فادحة ، وبعد احراز هذا النصر الكبير عاد هرقل إلى عاصمته
القسطنطينية عن طريق البحر ، وعقد معاهدة مع الأفاريين ( Avars ) ، واستطاع بنصرتهم
أن يسد سيل الفرس عن عاصمتهم .
وبعد الحربين اللتين مر ذكرهما شن هرقل ثلاثة حروب أخرى ضد الفرس في سنوات 623 ،
624 ، 625 م . واستطاع أن ينفذ إلى أراضي العراق القديم ( ميسو بوتانيا ) عن طريق البحر
الأسود ، واضطر الفرس إلى الانسحاب من جميع الأراضي الرومية ، نتيجة هذه الحروب ،
وأصبح هرقل في مركز يسمح له بالتوغل في قلب الإمبراطورية
هامش
( 1 ) أرقاديوس ( ؟ 377 408 م ) ، أحد أباطرة الرومان ، وهو الابن الأكبر لتيودوس الأول ،
تولى العرش سنة 395 م . واشته بالجبن ؟ المراجع .
( 2 ) قيصر أو سيزار ( ؟ 144 101 ق . م . ) قائد وسيايس رومي عظيم .
( 3 ) ص ؟ ؟ 76 77 ، المجلد الخامس .