وكان من نتيجة تأثر هذا الشاعر العربي العملاق ببلاغة القرآن أنه هجر الشعر ، وقد
قال له عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يوما : يا أبا عقيل : أنشدني شيئا من شعرك ،
فقرأ سورة البقرة ، وقال : . ما كنت لأقول شعرا بعد إذ علمني الله سورة البقرة وآل
عمران ( 1 ) .
وأما الحادث الثاني فهو أغرب من الأول ، وهو عن ابن المقفع ، أورده المستشرق ( ولاستن )
في كتابه ، وعلق عليه قائلا :
. . . . ان اعتداد محمد بالاعجاز الأدبي للقرآن لم يكن على غير أساس ، بل يؤيده حادث
وقع بعد قرن من قيام دعوة الاسلام ( 2 ) .
والحادث كما جاء عن لسان المستشرق ، هو أن جماعة من الملاحدة والزنادقة أزعجهم تأثير
القرآن الكريم في عامة الناس ، فقرروا مواجهة تحدي القرآن ، واتصلوا لاتمام ، خطتهم
بعبد الله بن المقفع ( 727 م ) ، وكان أديبا كبيرا ، وكاتبا ذكيا . يعتد بكفاءته فقبل
الدعوة للقيام بهذه المهمة . . وأخبرهم ان هذا العمل سوف يستغرق سنة كاملة ، واشترط
عليهم أن يتكفلوا بكل ما يحتاج اليه خلال هذه المدة . .
ولما مضى على الاتفاق نصف عام ، عادوا اليه ، وبهم تطلع إلى معرفة ما حققه أديبهم
لمواجهة تحدي رسول الاسلام ، وحين دخلوا غرفة الأديب الفارسي الأصل ، وجدوه جالسا
والقلم في يده ، وهو مستغرق في تفكير عميق ، وأوراق الكتابة متناثرة أمامه على الأرض ،
بينما امتلأت غرفته بأوراق كثيرة ، كتبها ثم مزقها .
لقد حاول هذا الكاتب العبقري أن يبذل كل مجهود ، عساه أن يبلغ هدفه ، وهو الرد على
تحدي القرآن المجيد . . . ولكنه أصيب باخفاق شديد في محاولته هذه ، حتى اعترف أمام
أصحابه ، والخجل والضيق يملكان عليه نفسه ، أنه ، على الرغم من مضي ستة أشهر ، حاول
خلالها أن يجيب على التحدي ، فإنه لم يفلح في أن يأتي بآية واحدة من طراز القرآن !
وعندئذ تخلى ابن المقفع عن مهمته ، مغلوبا مستخزيا . . ( 3 ) .
* * *
هامش
( 1 ) أنظر في هذا الخبر : الشعر والشعراء لابن قتيبة السابق .
( 2 ) Mohammad : His life & Doctrine , p . 143 .
( 3 ) وردت في التاريخ أمثلة أخرى حاول أصحابها مواجهة هذا التحدي ، غير أنهم أخفقوا
اخفاقا ذريعا ، ومن هؤلاء : مسيلمة بن حبيب الكذاب ، وطليحة بن خويلد الأسدي ، والنضر
بن الحارث ، وأبو الحسين أحمد بن يحيى المعروف بابن الراوندي ، وأبو الطيب المتنبي ،
وأبو العلاء المعري ، صاحب كتاب الفصول والغايات في مجاراة السور والآيات ، أنظر
للتفصيل كتاب الرافعي : اعجاز القرآن ؟ المترجم .