أيضا ما يرد على سابقه .
ثم قال :
« وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ »
وهي العنايات والألطاف الإلهية التي اقترنت بآيات باهرة قيّمة بتعديل حياتهم لو استقاموا على ما قالوا ، وداموا على ما واثقوا ، وهي الآيات البينات التي أحاطت بهم من كل جانب أيام كانوا بمصر ، وبعد إذ نجاهم اللّه من فرعون وقومه ، فلم يتوافر ويتواتر من الآيات المعجزات والبراهين الساطعات والنعم التي يتنعم بها في الحياة على أمة من الأمم الماضية المتقدمة على عهد موسى ما توافرت وتواترت على بني إسرائيل .
قوله تعالى :
يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ
أمرهم بدخول الأرض المقدسة ، وكان يستنبط من حالهم التمرد والتأبّي عن القبول ، ولذلك أكد أمره بالنهي عن الارتداد وذكر استتباعه الخسران . والدليل على أنه كان يستنبط منهم الرد توصيفه إياهم بالفاسقين بعد ردهم ، فإن الردّ وهو فسق واحد لا يصحح اطلاق « الفاسقين » عليهم الدالّ على نوع من الاستمرار والتكرّر .
وقد وصف الأرض بالمقدسة ، وقد فسروه بالمطهرة من الشرك لسكون الأنبياء والمؤمنين فيها ، ولم يرد في القرآن الكريم ما يفسر هذه الكلمة . والذي يمكن أن يستفاد منه ما يقرب من هذا المعنى قوله تعالى :
إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ
( الإسراء / 1 ) وقوله :
وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها
( الأعراف / 137 ) وليست المباركة في الأرض الا جعل الخير الكثير فيها ، ومن الخير الكثير إقامة الدين واذهاب قذارة الشرك .
وقوله :
« كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ »
ظاهر الآيات أن المراد به قضاء توطنهم فيها ، ولا ينافيه قوله في آخرها :
« فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً »
بل يؤكده فإن قوله :
« كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ »
كلام مجمل