تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الينابيع الفقهية — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
قلنا : لو كان في حال المرض يبيح الأبوال لأباح في أوقاتنا هذه ، وأبو حنيفة يمنع من ذلك وإنما يجيزه أبو يوسف والشافعي وإذا بطل اعتراض أبي حنيفة فالذي يبطل اعتراض أبي يوسف والشافعي وجهان : أحدهما : إن النبي ص لو كان أباح ذلك للضرورة لوقف عليه وبين اختصاصه بالضرورة ، والوجه الثاني : ما روي عنه عليه وآله السلام من قوله : إن الله عز وجل لم يجعل شفاء كم فيما حرم عليكم ، ولهذا الذي ذكرناه تأول قوم قوله تعالى : فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ، على أن المنافع هاهنا هي في المكاسب ، فإن قالوا : ما أبيح في حال الاضطرار لم يتناوله هذا الخبر الذي رويتموه ، لأنه إنما يقتضي نفي الشفاء عما تحريمه ثابت ، وما تدعو إليه الضرورة لا يكون حراما بل مباحا . قلنا : الظاهر يقتضي نفي الشفاء عما حرم في سائر الأوقات ، وتخفيف التحريم في حالة دون أخرى عدول عن الظاهر . فإن قيل : معنى الخبر أن شفاؤكم ليس بمقصور على المحرمات بل في المباحات لكم مندوحة ، قلنا : هذا أيضا تخصيص للخبر وعدول عن ظاهره . فإن احتج علينا مخالفونا في نجاسة البول بما يروونه عن النبي ص من قوله : إنما يغسل الثوب من البول والدم والمني ، وأنه عام في سائر الأبوال وما يؤمر بغسله وجوبا لا يكون إلا نجسا ، وما هو نجس لا يجوز شربه . وبما يروونه عن النبي ص أنه مر بقبرين فقال : إنهما يعذبان ، وما يعذبان في كبير ، أما أحدهما فكان يمشي في النميمة ، وأما الآخر فكان لا يستبرئ من البول ، وهذا عام في جميع الأبوال ، وبما يروونه عنه ع استنزهوا من البول . فإن عامة عذاب القبر منه ، فيقال لهم : قد مضى أن أخبار الآحاد ليست بحجة في الشريعة إذا خلت من المعارضات ، ثم أخبارهم هذه معارضة بما تروونه من طرقكم وقد ذكره بعضكم . فأما ما نرويه نحن من طرقنا فما لا يحصى كثرة ، وإذا سلمنا هذه الأخبار ولم نعارضها بما يسقط الاحتجاج بها كان لنا أن نحمل الخبر الأول على ما هو نجس من الأبوال كبول الانسان وبول ما لا يؤكل لحمه ، ووجب هذا التخصيص لمكان الأدلة التي ذكرناها .