تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الينابيع الفقهية — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
فصل : أما قوله تعالى : وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم ، إلى قوله : ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ، فإن قوما ممن لا يؤبه بهم استدلوا بهذه الآية على تحليل النبيذ ، بأن قالوا أمتن الله علينا وعدده من جملة نعمه علينا أن خلق لنا الثمار التي يتخذ منها السكر والرزق الحسن وهو سبحانه وتعالى لا يمتن بما هو محرم ، وهذا لا دلالة لهم فيه لأمور : أحدها : أن المفسرين على خلاف هذا ولم يقل أحد منهم هو ما حرم من الشراب وإنما ذكروا في معناه تتخذون منه ما حل طعمه من شراب أو غيره . الثاني : أنه لو أراد بذلك تحليل السكر لما كان لقوله : ورزقا حسنا ، معنى لأن ما أحله وأباحه فهو أيضا رزق حسن ، فإن قيل : فلم فرق بين الرزق الحسن وبينه والكل شئ واحد ؟ قلنا : الوجه فيه أنه تعالى خلق هذه الثمار لتنتفعوا بها فاتخذتم أنتم منها ما هو محرم عليكم وتركتم ما هو رزق حسن . وأما وجه المنة فبالأمرين معا ثابتة ، لأن ما أباحه وأحله فالمنة به ظاهرة ليعجل له الانتفاع به ، وما حرمه فوجه النعمة فيه أنه إذا حرم علينا وأوجب الامتناع ضمن في مقابلته الثواب الذي هو أعظم النعمة ، ويؤكد ذلك قوله : وهديناه النجدين ، وقوله : فألهمها فجورها وتقواها ، ونحوه قولنا : إن خلق نار جهنم نعمة من الله على العباد . الثالث : أن السكر إذا كان مشتركا بين السكر والطعم وجب أن يتوقف فيه ولا يحمل على أحدهما إلا بدليل ، وما ذكرناه مجمع على أنه مراد وما ذكروه ليس عليه دليل . والسكر في اللغة على أربعة أقسام : أحدها ما أسكر والثاني ما طعم من الطعام كما قال الشاعر : جعلت عيب الأكرمين سكرا أي طعما ، الثالث المصدر من قولك سكر سكرا ، وأصله انسداد المجاري بما يلقى فيها ومنه السكر وهو القسم الرابع ، على أنه كان يقتضي أن يكون كل ما أسكر منه يكون حلالا