فحكى ابن منصور بن زياد ، وكان على بريد عبد الله بن طاهر ، وكتب
بخبره إلى المأمون : ان عبد الله بن طاهر يخرج في كل ليلة من عسكره ، ويخرج
إليه نصر بن شبث ، فيجتمعان ويتحدثان ، فدعا المأمون بعمرو بن مسعدة ،
فأمره أن يظهر علة يحتاج أن يقيم لها في منزله ، وأن يخرج على خمس عشرة
دابة من دواب البريد ، ولا يعلم أحدا حتى يصير إلى عبد الله بن طاهر ، ويقول
له : يا ابن الفاعلة ، لقد هم أمير المؤمنين أن يؤمر عبدا أسود ، ثم يوجهه
مكانك ، ويجعلك سائسا له ، وأمر عمرا أن لا يسلم عليه ، ولا يسمع له جوابا ،
فخرج عمرو ، فلما اجتمع مع عبد الله لم يسلم عليه حتى بلغه الرسالة على رؤوس
الناس ، ثم انصرف ، ولم يسمع منه جوابا ، فلما كان يوم الأربعين من مصير
عمرو وافى نصر بن شبث ، وسار عبد الله يستقري الشأم بلدا بلدا لا يمر ببلد
إلا أخذ من رؤساء القبائل والعشائر والصعاليك والزواقيل ، وهدم الحصون
وحيطان المدن ، وبسط الأمان للأسود والأبيض والأحمر ، وضمهم جميعا ،
ونظر في مصالح البلدان ، وحط عن بعضها الخراج ، فلم يبق مخالف ولا خالع
إلا خرج من قلعته وحصنه .
وسار عبد الله بالقوم جميعا إلى مصر ، فلقيه علي بن عبد العزيز الجروي
المتغلب بأسفل الأرض ، فأعلمه أنه لم يزل هو وأبوه في الطاعة ، فقبل قوله ،
وسيره معه حتى نزل ببلبيس ، فواقع عبيد الله بن السري وقعات ، وجعل
أصحاب عبيد الله يستأمنون شيئا بعد شئ ، حتى لم يبق معه ممن كان يعتمد
عليه أحد ، فلما رأى ذلك طلب الأمان ، على أن يسوغ ما أخذ ، ويطلق له
جباية الصعيد شهرين ، فأجابه إلى ذلك ، وأعطاه الأمان ، وقال : لو شرط أن
أضع له خدي في الأرض يطأ عليه لفعلت ، وكان ذلك قليلا عندي في جنب
ما أوثره من حقن الدماء ، فخرج إليه لعشر بقين من صفر سنة 211 .
ودخل عبد الله بن طاهر الفسطاط ، وكتب بالفتح ، وأقر عبد الله بن طاهر
عبيد الله بن السري على الصعيد شهرين ، ثم سيره إلى العراق ، ثم ولى العباس
تاريخ اليعقوبي — صفحة 460
مساهمون: اليعقوبي
ص٤٦٠