وكان قدوم عمر بن عبد العزيز المدينة سنة 87 وثقله على ثلاثين بعيرا .
وضرب الوليد البعث على أهل المدينة ، وكتب إلى عمر ، فأخرج منهم ألفي رجل .
وبنى الوليد المسجد بدمشق ، فأنفق عليه أموالا عظاما ، وابتدأ بناءه في
سنة 88 ، وكتب إلى عمر بن عبد العزيز أن يهدم مسجد رسول الله ، ويدخل
فيه المنازل التي حوله ، ويدخل فيه حجرات أزواج النبي ، وهدم الحجرات ،
وأدخل ذلك في المسجد . ولما بدأ بهدم الحجرات قام خبيب بن عبد الله بن الزبير
إلى عمر والحجرات تهدم ، فقال : نشدتك الله يا عمر أن تذهب بآية من كتاب
الله ، يقول : إن الذين ينادونك من وراء الحجرات ، فأمر به ، فضرب مائة سوط ،
ونضح بالماء البارد ، فمات ، وكان يوما باردا . فكان عمر لما ولي الخلافة ، وصار
إلى ما صار إليه من الزهد ، يقول : من لي بخبيب !
وروى الواقدي أن الوليد بعث إلى ملك الروم يعلمه أنه قد هدم مسجد
رسول الله ، فليعنه فيه ، فبعث إليه بمائة ألف مثقال ذهبا ، ومائة فاعل ، وأربعين
حملا فسيفساء ، فبعث الوليد بذلك كله إلى عمر ، فأصلح به المسجد ، وفرع
من بنائه في سنة 90 .
وبعث الوليد إلى خالد بن عبد الله القسري ، وهو على مكة ، بثلاثين ألف
دينار ، فضربت صفائح ، وجعلت على باب الكعبة وعلى الأساطين التي داخلها
وعلى الأركان والميزاب ، فكان أول من ذهب البيت في الاسلام .
وحج الوليد سنة 91 لينظر إلى البيت وإلى المسجد وما أصلح منه ، وإلى البيت
وتذهيبه ، فلما قرب من المدينة خرج عمر ، فتلقاه بأشراف المدينة ، فدخل
المسجد ، وجعل ينظر إليه ، وأخرج الحرس كل من كان فيه خلا سعيد بن
المسيب ، فإنه لم يخرج ، ولم يترجرج ، فدخل الوليد ، فجعل يطوف وسعيد
ابن المسيب جالس ، ثم قال الوليد : أحسب هذا سعيد بن المسيب ؟ فقال له
عمر : نعم ! ومن حاله وحاله ، إلا أنه ضعيف البصر . فجاء الوليد حتى وقف
عليه ، فقال : كيف أنت أيها الشيخ ؟ فما تحرك ، وقال : نحن بخير ، يا أمير
تاريخ اليعقوبي — صفحة 284
مساهمون: اليعقوبي
ص٢٨٤