علي في هذا بعض الوحشة ، وتلاحيا كلاما ، فلم يزل أبو ذر بالربذة حتى توفي .
ولما حضرته الوفاة قالت له ابنته : إني وحدي في هذا الموضع ، وأخاف
أن تغلبني عليك السباع . فقال : كلا إنه سيحضرني نفر مؤمنون ، فانظري
أترين أحدا ؟ فقالت : ما أرى أحدا ! قال : ما حضر الوقت ، ثم قال : انظري ،
هل ترين أحدا ؟ قالت : نعم أرى ركبا مقبلين ، فقال : الله أكبر ، صدق الله
ورسوله ، حولي وجهي إلى القبلة ، فإذا حضر القوم فاقرئيهم مني السلام ،
فإذا فرغوا من أمري ، فاذبحي لهم هذه الشاة ، وقولي لهم : أقسمت عليكم إن
برحتم حتى تأكلوا ، ثم قضي عليه ، فأتى القوم ، فقالت لهم الجارية : هذا أبو
ذر صاحب رسول الله قد توفي ، فنزلوا ، وكانوا سبعة نفر ، فيهم حذيفة بن
اليمان ، والأشتر ، فبكوا بكاء شديدا ، وغسلوه ، وكفنوه ، وصلوا عليه ،
ودفنوه . ثم قالت لهم : إنه يقسم عليكم ألا تبرحوا حتى تأكلوا ! فذبحوا
الشاة ، وأكلوا ، ثم حملوا ابنته ، حتى صاروا بها إلى المدينة . فلما بلغ عثمان
وفاة أبي ذر قال : رحم الله أبا ذر ! قال عمار : نعم ! رحم الله أبا ذر من
كل أنفسنا ، فغلظ ذلك على عثمان . وبلغ عثمان عن عمار كلام ، فأراد أن
يسيره أيضا ، فاجتمعت بنو مخزوم إلى علي بن أبي طالب ، وسألوه إعانتهم ،
فقال علي : لا ندع عثمان ورأيه . فجلس عمار في بيته ، وبلغ عثمان ما تكلمت
به بنو مخزوم ، فأمسك عنه ، وسير عبد الرحمن بن حنبل صاحب رسول الله
إلى القموس من خيبر ، وكان سبب تسييره إياه أنه بلغه كرهه مساوئ ابنه
وخاله ، وأنه هجاه .
وكان عثمان جوادا وصولا بالأموال ، وقدم أقاربه وذوي أرحامه ،
فسوى بين الناس في الأعطية وكان الغالب عليه مروان بن الحكم بن أبي العاص ،
وأبو سفيان بن حرب ، وعلى شرطه عبد الله بن قنفذ التيمي ، وحاجبه حمران
ابن أبان مولاه .
ونقم الناس على عثمان بعد ولايته بست سنين ، وتكلم فيه من تكلم ،
تاريخ اليعقوبي — صفحة 173
مساهمون: اليعقوبي
ص١٧٣