إن أهل إيلياء سألوه أن يكون الخليفة المصالح لهم ، فأخذ عليهم العقود والمواثيق ،
وكتب إلى عمر فخرج إلى الشأم ، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان ،
وقرب خالدا ، وأدناه ، وأمره . فسار في الناس على مقدمته ، وذلك في رجب
سنة 16 ، فنزل الجابية من أرض دمشق ثم صار إلى بيت المقدس ، فافتتحها
صلحا ، وكتب لهم كتابا : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا كتاب كتبه عمر بن
الخطاب لأهل بيت المقدس ، إنكم آمنون على دمائكم وأموالكم ، وكنائسكم
لا تسكن ولا تخرب ، إلا أن تحدثوا حدثا عاما ، وأشهد شهودا ، وأتاه
عمرو بن العاص بالطلاء فقال : كيف يصنع هذا ؟ فقال : يطبخ حتى يذهب
ثلثاه ، ويبقى ثلثه ، فقال : ما أرى بذلك بأسا .
واختلف القوم في صلح بيت المقدس ، فقالوا : صالح اليهود ، وقالوا :
النصارى ، والمجمع عليه النصارى ، وقام إليه بلال فقال : يا أمير المؤمنين ،
إن أمراء أجناد الشأم ما يأكلون إلا لحوم الطير والخبز النقي ، وما يجد ذلك عامة
الناس . فأخذ عمر أمراء الشأم بأن ضمنوا له القوت للمسلمين في كل يوم
خبزين لكل رجل وما يصلحه من الخل والزيت ، وأمر عمر أن تقسم الغنائم
بين الناس بالسوية خلا لخم وجذام ، وقال : لا أجعل من خرج من الشقة
إلى عدوه كمن خرج من بيته . فقام إليه رجل فقال : إن كان الله جعل الهجرة
إلينا فخرجنا من بيوتنا إلى عدونا نحرم حظنا .
ومر عمر راجعا إلى المدينة فمر على قوم قد أقيموا يعذبون في الخراج ،
فقال عمر : دعوهم ولا تعذبوهم ، فإني سمعت رسول الله يقول : إن الذين
يعذبون الناس في الدنيا يعذبهم الله في الآخرة ، يوم القيامة ، فأرسل إليهم ،
فخلى سبيلهم . فأتاه جبلة بن الأيهم فقال له : تأخذ مني الصدقة كما تصنع
بالعرب ؟ قال : بل الجزية ، وإلا فالحق بمن هو على دينك . فخرج في ثلاثين
ألفا من قومه ، حتى لحق بأرض الروم ، وندم عمر على ما كان منه في أمره .
ووجه عمرو بن العاص فقال له : يا أمير المؤمنين تأذن لي في أن أصير
تاريخ اليعقوبي — صفحة 147
مساهمون: اليعقوبي
ص١٤٧