فقدست هذا البيت آخر الدهر ، وإن حدتم عن أمري ، أو نقض أحد منكم
عهودي سلبته ملكه ، وخربت هذا البيت إلى آخر الأبد .
وقدمت بلقيس ملكة سبأ على سليمان ، وكان من أمرها ما قد قصه الله في
كتابه العزيز ، ولما قدمت عليه جاءته بجمال موقرة ذهبا وعنبرا ، وقالت له :
لقد بلغني من أمرك ما لم أصدق به حتى رأيته ، ثم انصرفت إلى بلدها .
وكان سليمان معجبا بالنساء ، فتزوج ، فيما يقال ، سبعمائة امرأة ، فيهن
بنت فرعون ملك مصر ، وعدة من نساء بني عمون ، وعدة من نساء أهل
مؤاب جبابرة الشأم ، ومن أدوم ، ومن الجثانيين ، وهم الصيدانيون ، ومن
الشعوب التي قد كان الله نهى عن مخالطتهم ، وكان له سبعمائة ، فاتخذت امرأة
من نساء سليمان تمثالا على صورة أبيها ، فلما رأى ذلك غيرها من نسائه فعلن
كفعلها ، فعاتب الله سليمان ، وقال له : تعبد الأصنام في بيتك ، ولا تغضبك ؟
لأسلبنك ملكك ، ولأنزعن العز من يدك ، ولأفرقن الأسباط من ولدك ،
ولكني أحفظ أباك داود فيك ، فلا أسلبك الملك بقية عمرك ، ولا أسلب جميع
الأسباط ، ولكني أدع في يدك سبطين لئلا يذهب ذكرك .
وإن سليمان لجالس على كرسية المعمول من الذهب ، المكلل بالجوهر ،
إذ انتزع خاتمه من يده ، فأخذه شيطان من الشياطين ، فوضعه في يده ، ونحى
سليمان عن كرسيه ، وجلس عليه الشيطان ، ونزع ثياب سليمان ولبسها ،
فمر سليمان على وجهه وعليه جبة صوف ، وفي يده قصبة ، فكان يستطعم ،
ويقول : أنا ملك بني إسرائيل ، سلبني الله ملكي ! فيسخر منه من يسمعه ،
وينكرون قوله ، فكان يقف على الصيادين الذين على البحر ، فيطلب منهم
ما يطعمونه .
وأنكر آصف صاحب سليمان وغيره أمر ذلك الشيطان ، ولم يروه يذكر
الله ، فهرب الشيطان ، وطرح الخاتم في البحر ، وأقام سليمان مسلوب الملك
أربعين يوما ، فإنه بعد أن كملت له الأربعون يمشي على شط البحر حائرا ،
تاريخ اليعقوبي — صفحة 59
مساهمون: اليعقوبي
ص٥٩