وكان ذلك بعد أن قتل موسى سيحون ملك الأموري واستباح أرضه .
ولما كان في سنة الأربعين من مقامهم في التيه ، وهي برية سينا ، أوحى
الله إلى موسى : إني قابض هارون إلي ، فاصعد به الجبل لتأتي ملائكتي فتقبض
روحه ! فأخذ موسى بيد هارون أخيه ، فلما صعد به الجبل لم يكن معه إلا
اليعازر بن هارون ، فلما صار على الجبل إذ سرير عليه ثياب ، فقال له موسى :
البس يا أخي هذه الثياب المطهرة ، التي أعدها الله لك ، لتلقاه فيها ، فلبسها
هارون ، ثم تمدد على السرير فمات ، وصلى عليه موسى . فلما لم ير بنو
إسرائيل هارون ، ضجوا ، وقالوا : أين هارون ؟ قال لهم موسى : قبضه الله
إليه ، فاضطربوا .
وكان هارون محببا فيهم ، لين الجانب لهم ، فرفعه الله لهم على السرير ،
حتى رأوا وجهه ، فعلموا أنه قد مات ، وكانت سنو هارون يومئذ مائة وثلاثا
وعشرين سنة ، وكان له من الولد أربعة : نادب ، واليهو ، واليعازر ، وايتمر ،
وتوفي في حياته نادب ، واليهو ، وبقي اليعازر ، وايتمر .
وصار اليعازر مكان هارون يقدس في قبة الزمان ، ودعا موسى يوشع
ابن نون ، وقال له : بين يدي بني إسرائيل سر ، وشد قلبك ، فإنك تدخل
ببني إسرائيل إلى أرض بني كنعان التي ورثهم الله ، وهذه التوراة ادفعها
إلى كهنة بني لاوي ، الذين كانوا يقومون بتابوت السكينة ، ووقروا مقام الله ،
واحفظوا وصاياه ، التي بينها لكم في التوراة ، وأوصاهم أن يتبعوا ما فيها ،
وبرك عليهم .
وكان مما أوصى الله عز وجل به لبني إسرائيل على لسان موسى أن قال لهم :
اذكروا اليوم الذي قمتم فيه قدام الله إذ قال الله لي : أجمع هذا الشعب قدامي ،
فأسمعهم كلامي ليخشوني أيام حياتهم ، فقمتم في أسفل الجبل ، والجبل
يتوقد نارا إلى قلب السماء ، وكلمني الله من جوف النار ، فسمعتم الصوت ،
ولم تروا الشبه ، وأوصاكم الله أن تتعلموا العشر الآيات ، وأوصاني أن أعلمكم
تاريخ اليعقوبي — صفحة 41
مساهمون: اليعقوبي
ص٤١