مائي ، وأنا أحق به ، وقال القيسيون : الماء ماؤنا ، ونحن أحق به . قال :
فإني أنافركم إلى من شئتم يحكم بيني وبينكم ، فنافروه إلى سطيح الغساني ،
وكان كاهن العرب يتنافرون إليه ، فتعاهد القوم وتعاقدوا على أن سطيحا إن
قضى بالماء لعبد المطلب ، فعلى كلاب وبني الرباب مائة من الإبل لعبد المطلب ،
وعشرون لسطيح ، وإن قضى سطيح بالماء للحيين ، فعلى عبد المطلب مائة من
الإبل للقوم ، وعشرون لسطيح ، فانطلقوا ، وانطلق عبد المطلب بعشرة نفر
من قريش ، فيهم حرب بن أمية ، فجعل عبد المطلب لا ينزل منزلا إلا نحر
جزورا وأطعم الناس ، فقال القيسيون : إن هذا الرجل عظيم الشأن ، جليل
القدر ، شريف الفعل ، وإنا نخشى أن يطمع حاكمنا بهذا ، فيقضي له بالماء ،
فانظروا لا نرضى بقول سطيح حتى نخبئ له خبأ ، فإن أخبرنا ما هو رضينا
بحكمه ، وإلا لم نرض به .
فبينا عبد المطلب في بعض الطريق إذ فني ماؤه وماء أصحابه ، فاستسقى
القيسيين من فضل مائهم ، فأبوا أن يسقوهم ، وقالوا : أنتم الذين تخاصموننا
وتنازعوننا في مائنا ، والله لا نسقيكم ! فقال عبد المطلب : أيهلك عشرة من
قريش ، وأنا حي ؟ لأطلبن لهم الماء ، حتى ينقطع خيط عنقي ، وأبلي عذرا ،
فركب راحلته ، وأخذ الفلاة ، فبينا هو فيها ، إذ بركت راحلته وبصر به القوم ،
فقالوا : هلك عبد المطلب ! فقال القرشيون : كلا والله لهو أكرم على الله من
أن يهلكه ، وإنما مضى لصلة الرحم ، فانتهوا إليه ، وراحلته تفحص بكركرتها
على ماء عذب ، روى ، قد ساح على ظهر الأرض ، فلما رأى القيسيون ذلك
أهرقوا أسقيتهم ، وأقبلوا نحوهم ليأخذوا من الماء ، فقال القرشيون : كلا
والله ، ألستم الذين منعتمونا فضل ماءكم ؟ فقال عبد المطلب : خلوا القوم ،
فإن الماء لا يمنع ! فقال القيسيون : هذا رجل شريف سيد ، وقد خشينا أن
يقضى له علينا ، فلما وصلوا إلى سطيح قالوا : إنا قد خبأنا لك خبأ ، وأخذ
إنسان منهم تمرة في يده فقال : فأخبرنا ما هو ؟ فقال : خبأتم لي ما طال ، فسمك ،
تاريخ اليعقوبي — صفحة 249
مساهمون: اليعقوبي
ص٢٤٩