وأمّا لو كان واجداً للشرائط حين المسير فسار ثمّ زال بعض الشرائط في الأثناء فأتم الحجّ على ذلك الحال كفى حجّه عن حجّة الإسلام إذا لم يكن المفقود مثل العقل ، بل كان هو الاستطاعة البدنية أو المالية أو السِربية ونحوها على الأقوى ( 1 ) .
شرح
وفيه : إن موضوع وجوب الحجّ محرز بالاستصحاب أو بأصالة السلامة التي بنى عليها العقلاء ، فلا يكون ترك الحجّ حينئذ مستنداً إلى عذر حتّى يكون جائزاً ، وهو نظير الشك في القدرة ، ليس للمكلف تفويت الواجب لمجرد احتمال العجز ، بل لابدّ أن يكون الترك مستنداً إلى عذر ، وليس ترك الواجب لاحتمال عدم القدرة من موارد الرجوع إلى البراءة ، فما لم يحرز العذر لا يجوز مخالفة التكليف الظاهري بوجوب الحجّ عليه ، ولا فرق في الاستقرار بين مخالفة الحكم الواقعي أو الظاهري حينئذ ، نعم لو أحرز العذر كانت مخالفة الحكم الظاهري جائزة حينئذ .
( 1 ) لو زالت بعض الشرائط في الأثناء ومع ذلك أتم المكلف حجّه ، فهل يكون هذا مجزياً أو لا ؟
ذكر الماتن أن الأقوى الاجتزاء بذلك في غير العقل ، لعدم إجزاء عمل المجنون قطعاً .
ولم يظهر لنا وجه صحيح للقول بالإجزاء ، لأن ارتفاع الشرط إذا كان أثناء العمل . فإما أن يكون لأجل مزاحمة واجب أهم كحفظ النفس المحترمة ، فزوال هذا الشرط لا يضر بالحجّ من الأوّل فضلاً عن المزاحمة في الأثناء ، لصحة الحجّ حينئذ بالأمر الترتبي .
وإن كان أخذ الشرط إنّما كان لدليل الحرج لا لأخذه في موضوع الاستطاعة ، كالرجوع إلى الكفاية فإن أصل اعتباره إنّما هو لدليل الحرج كما تقدم ، فلو فرض فقد شرط الرجوع إلى الكفاية كان أثناء العمل ولم يكن إكمال الحجّ عليه حينئذ حرجيا فهذا لا يضر بصحة حجّه ، لأن اعتباره - الرجوع إلى كفاية - إنما هو من جهة دليل الحرج وهو دليل امتناني لا يشمل رفع الحكم بعد العمل ، إذ لا امتنان في الحكم ببطلان العمل الصادر منه قبل ذلك ، نعم نفي الوجوب من الأوّل فيه امتنان .
وأما إذا كان فقد الشرط في أثناء العمل موجباً لحرج جديد ، بنحو يكون ارتفاع هذا الشرط كاشفاً عن عدم وجوب الحجّ لعدم الاستطاعة مثلاً ، فكيف يمكن أن يقال إن هذا العمل الغير الواجب يجزي عن حجّة الإسلام ؟ !
إذن فالصحيح هو التفصيل بين ما إذا كان أصل الشرط ناشئاً من الحرج كالرجوع إلى الكفاية ففقده أثناء العمل لا يوجب عدم صحة العمل ، وأما لو كان فقط الشرط موجباً لحرج جديد ، كما لو نفذت نفقته لغلاء حدث أثناء العمل لعارض ، بنحو لو كان عالماً بذلك كشف عن عدم استطاعته وعدم وجوب الحجّ عليه من الأوّل ، فهكذا حج غير واجب واقعاً لعدم الاستطاعة فكيف يكون مجزياً عن الواقع ؟ ! فإن الإجزاء يحتاج إلى دليل ولا دليل .