شرح
ذهب إليه المشهور من الاستقرار بتحقق بقاء الاستطاعة إلى مضي زمان يمكنه فيه الإتيان بجميع أفعال الحجّ حتّى مثل طواف النساء وأعمال منى مستجمعاً للشرائط ، لما عرفت من أن طواف النساء وأعمال منى ليسا من أعمال الحجّ .
والصحيح من الأقوال ما ذكره الماتن ( قدس سره ) من أن الاستقرار يتحقق ببقاء الاستطاعة إلى زمان ما بعد العود إلى وطنه ، ولذا لو كان عالماً بعروض المرض عند العود وقبل الوصول إلى بلده وإن كان بعد انتهاء جميع أفعال الحجّ لم يكن يجب عليه الحجّ من الأوّل ، فلا يستقر عليه لو زالت الاستطاعة قبل العود إلى وطنه إذ إن فقد بعض الشروط كاشف عن عدم تحقق الاستطاعة من الأوّل ، وما كان يتخيله من وجوب الحجّ عليه والخروج مع الرفقة إنّما كان حكماً ظاهرياً لا واقعياً .
واستثنى الماتن ( قدس سره ) الموت والجنون ، فإنه إذا فرض أنه ارتفعت الحياة أو العقل فإن كان بعد تمام الأعمال لا يضر ذلك بصحّة العمل وإجزائه ، لأنه يكشف عن أنه كان واجباً عليه في الواقع ، وارتفاع العقل بعد العمل لا ينافي وجوبه الواقعي ، وكذا ارتفاع الحياة بعد العمل لا ينافي وجوبه الواقعي ، ولو لم يحج استقر عليه الحجّ ، وهذا الاستثناء أيضاً صحيح .
إلاّ أن الظاهر من كلامه أن المراد بالأعمال كما صرح به في المتن قبل ذلك هو البقاء إلى اليوم الثاني عشر من ذي الحجّة أي حتّى يرمي الجمار ، ولا يعرف لذلك وجه ، لأن أعمال الحجّ تنتهي بالانتهاء من طواف الحجّ وسعيه ، وأما طواف النساء والمبيت في منى ورمي الجمار يومي الحادي عشر والثاني عشر فهي
أعمال واجبة بعد الحجّ ( 1 ) فكان على المصنف التقييد بالأعمال التي تعتبر في الحجّ نفسه لا الذي تعتبر بعد
هامش
( 1 ) قد يقال - كما قيل - إن الجزء يستعمل بمعنيين ، الأوّل : ما تتقوم به الماهية ، الثاني : ما لا تتقوم به الماهية ولكن على فرض وجوده تنطبق عليه أيضاً ، وذلك فيما إذا اُخذت الماهية لا بشرط في الصدق بالنسبة إلى التي لا تتقوم به فتنطبق عليه على فرض وجوده ، ويتصور هذا المعنى في الماهيات الجعلية كالصلاة بالنسبة إلى الأذكار المستحبة والمركبات الاعتبارية كالدار بالنسبة إلى الغرف الإضافية ، فإنها تعد حال وجودها جزءاً من الدار ولا تعد حال عدمها جزءاً منها ، وعلى هذا فطواف النساء والمبيت في منى ورمي الجمرات يومي الحادي عشر والثاني عشر وإن كان لا يضر تركها ولو عمداً بصحة الحج إلاّ أنه ليس معنى ذلك عدم كونها من أفعال الحج ، فما ذهب إليه السيد الاُستاذ من كون وجوب الحج مشروطاً ببقاء العقل إلى ما قبل الإتيان بالأعمال المذكورة غير تام « بحوث في شرح مناسك الحجّ 5 : 601 - 602 » .
وفيه : إن ما ذكر من استعمال الجزء في معنيين إن كان صحيحاً - وليس بصحيح كما سيأتي - فإن إقحام الحج بالمعنى الثاني غير صحيح ، لأن المتعارف في إطلاق الحج إنّما هو المعنى الأوّل وهو المعنى الحقيقي له ، فقوله تعالى : ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) ليس الحج المأمور به إلاّ الأجزاء التي لها دخل