كان بينهم وبين المسلمين معاهدة ثمّ لم يعملوا - بقرينة الآية الرابعة والآية السابعة - بمقتضى عهدهم فهؤلاء المشركون قد آذن الله بالبراءة منهم من ناحية الله ورسوله ، ومع ذلك قد جعل لهم حقّ السياحة والحياة أربعة أشهر ، والظاهر أنّ هذه الأربعة أشهر هي الّتي أوجب الله بعد انسلاخها بوجوب قتل هؤلاء المشركين والتضييق عليهم جدّاً في الآية الخامسة .
ثمّ إنّ الآية الثالثة أذانٌ ببراءة الله ورسوله من المشركين جميعاً ، واستثنى منهم في الآية الرابعة خصوص المشركين الّذين عاهدوا المسلمين ، وكانت هذه المعاهدة بقرينة الآية السابعة عند المشعر الحرام ، فهذه الطائفة يجب على المسلمين أن يتمّوا إليهم إلى خصوص انقضاء مدّة المعاهدة بشرط أن يكونوا هؤلاء أيضاً مستقيمن للمسلمين وعالمين بعهدهم كما ذكره في الآية السابعة ، وقد جعل الله تعالى العمل بهذه المعاهدة من مصاديق التقوى وقال في كلتا الآيتين : ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ) .
وأمّا الآية الخامسة فشرط انسلاخ الأشهر الحرم - المذكور صدرها - وإن كان مختصّاً بالمعاهدين الّذين لم يفوا بعهدهم المذكورين في الآية الاُولى والثانية ، إلاّ أنّه لا يبعد دعوى أنّ حكمه تعالى فيها بوجوب قتل المشركين والإرصاد لأخذهم ما أمكن عامّ لجميع المشركين ، وكيف كان فقد صرّحت الآية المباركة بأنّهم لا محيص لهم من القتل إلاّ أن يتوبوا ويسلموا ويعملوا بالوظائف الدينية وقد ذكر منها خصوص إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة من باب الأنموذج . وإن شكّ في تعميم الحكم بوجوب قتلهم لجميع المشركين فمن الواضح أنّ مفاد صدر الآية السابعة أنّه ليس المشرك بما أنّه مشرك محلّ اعتماد في عهده فلا يكون له عهد عند الله ورسوله فلا محالة لابدّ من إجراء حكم القتل المذكور في الآية الخامسة فيهم ، وأكّد هذا اللا اعتماد في الآية الثامنة والتاسعة ، وأعاد تعالى بيان غاية رفع اليد عن قتلهم ثانياً بقوله تعالى في الآية الحادية عشر : ( فَإِنْ تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتَوُاْ الزَّكَوةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِى الدِّينِ ) وأمّا إن نكثوا العهد فلا محيص إلاّ مقاتلتهم وقتلهم .
الولاية الإلهية الاسلامية ( الحكومة الاسلامية ) — صفحة 387
مساهمون: الشيخ محمد المؤمن القمي
ص٣٨٧