يؤول إلى ما وصفناه ؟ ! وزعموا أنه محال أن يجتهدوا فيذهب الحق من
جملتهم ، وقولهم بذلك فاسد ، لأنهم إن اجتهدوا فاختلفوا فالتقصير واقع
بهم .
وأعجب من هذا ، أنهم يقولون مع قولهم بالرأي والاجتهاد إن الله
تعالى بهذا المذهب لم يكلفهم إلا بما يطيقونه وكذلك النبي ( صلى الله
عليه وآله ) واحتجوا بقول الله تعالى : * ( وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم
شطره ) * ( 25 ) وهذا بزعمهم وجه الاجتهاد وغلطوا في هذا التأويل غلطا بينا .
قالوا : ومن قول الرسول ( صلى الله عليه وآله ) : ما قاله لمعاذ بن جبل ،
وادعوا أنه أجاز ذلك ، والصحيح أن الله لم يكلفهم اجتهادا ، لأنه قد نصب
لهم أدلة وأقام لهم أعلاما ، وأثبت عليهم الحجة ، فمحال أن يضطرهم إلى
ما لا يطيقون بعد إرساله إليهم الرسل بتفصيل الحلال والحرام ولم يتركهم
سدى مهما عجزوا عنه ردوه إلى الرسول والأئمة صلوات الله عليهم ، كيف
وهو يقول : * ( ما فرطنا في الكتاب من شئ ) * ( 26 ) ويقول : * ( اليوم أكملت لكم
دينكم وأتممت عليكم نعمتي ) * ( 27 ) ويقول : * ( فيه تبيان كل شئ ) * ( 28 ) ؟ !
ومن الدليل على فساد قولهم في الاجتهاد والرأي والقياس أنه لن يخلو
الشئ أن يكون بمثله ( 29 ) على أصل ، أو يستخرج البحث عنه ، فإن كان
يبحث عنه فإنه لا يجوز في عدل الله تعالى أن يكلف العباد ذلك ، وإن كان
ممثلا على أصل فلن يخلو الأصل ، أن يكون حرم لمصلحة الخلق ، أو
لمعنى في نفسه خاص ، ( فإن كان حرم لمعنى في نفسه خاص ) ( 30 ) فقد كان
ذلك فيه حلالا ، ثم حرم بعد ذلك لمعنى فيه ، بل لو كان لعلة المعنى لم
هامش
( 25 ) البقرة 2 : 144 ، 150
( 26 ) الانعام 6 : 38
( 27 ) المائدة 5 : 3
( 28 ) النحل 16 : 89 ونصها * ( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ ) *
( 29 ) في المصدر : تمثيلا
( 30 ) ليس في المصدر