وفي الآية دلالة على أن العذاب الشامل لأهله إنما هو من قبلهم لا من قبله ، وكذا كل ما يستوجب العذاب من ضلال أو شرك أو معصية ، ولو كان شيء من ذلك من قبله تعالى لكان العذاب الذي يستتبعه أيضا من قبله لأن المسبّب يستند إلى من استند اليه السبب « 1 » .
[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 148 إلى 149 ]
لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً ( 148 ) إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً ( 149 )
بيان :
قوله تعالى :
لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ
، قال الراغب في مادة
« الْجَهْرَ »
يقال لظهور الشيء بإفراط لحاسة البصر أو حاسّة السمع ، أما البصر فنحو رأيته جهارا ، قال اللّه تعالى
« لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً »
« أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً »
- إلى أن قال - وأما السمع فمنه قوله تعالى
« سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ »
.
والسوء من القول كل كلام يسوء من قيل فيه كالدعاء عليه ، وشتمه بما فيه من المساوئ والعيوب وبما ليس فيه ، فكل ذلك لا يحب اللّه الجهر به وإظهاره ، ومن المعلوم أنه تعالى منزّه من الحب والبغض على حد ما يوجد فينا معشر الإنسان وما يجانسنا من الحيوان ، إلا أنه لما كان الأمر والنهي عندنا بحسب الطبع صادرين عن حب وبغض كنّي بهما عن الإرادة والكراهة وعن الأمر والنهي .
هامش
( 1 ) . النساء 136 - 147 : بحث روائي في : الايمان والكفر ؛ النهي عن الخدعة ؛ المنافقين ؛ الاخلاص للّه تعالى ونتائجه .