الشيء مذبذبا ان يتردد بين جانبين من غير تعلق بشيء منهما ، وهذا نعت المنافقين ، يتذبذبون بين ذلك - اي الذي ذكر من الايمان والكفر - لا إلى هؤلاء اي لا إلى المؤمنين فقط كالمؤمنين بالحقيقة ، ولا إلى الكفار فقط كالكافرين محضا .
وقوله :
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا
في مقام التعليل لما سبقه من حديث الذبذبة ، فسبب ترددهم بين الجانبين من غير تعلق بأحدهما ان اللّه أضلهم عن السبيل فلا سبيل لهم يردونه .
ولهذه العلة بعينها قيل
« مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ »
ولم يقل : متذبذبين اي القهر الإلهي هو الذي يجر لهم هذا النوع من التحريك الذي لا ينتهي إلى غاية ثابتة مطمئنة .
قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ
( إلى آخر الآيتين ) السلطان هو الحجة ، والدرك بفتحتين - وقد يسكن الراء - قال الراغب : الدرك كالدرج لكن الدرج يقال اعتبارا بالصعود ، والدرك اعتبارا بالحدور ، ولهذا قيل : درجات الجنّة ودركات النار ، ولتصور الحدور في النار سمّيت هاوية ( انتهى ) .
والآية - كما ترى - تنهى المؤمنين عن الاتصال بولاية الكفار وترك ولاية المؤمنين ، ثم الآية الثانية تعلل ذلك بالوعيد الشديد المتوجه إلى المنافقين ، وليس الا ان اللّه سبحانه يعد هذا الصنيع نفاقا يحذر المؤمنين من الوقوع فيه .
والسياق يدل على أن قوله
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا »
، كالنتيجة المستنتجة مما تقدم أو الفرع المتفرع عليه ، وهذا كالصريح في أن الآيات السابقة انما تتعرض لحال مرضى القلوب وضعفاء الايمان من المؤمنين ويسميهم المنافقين ، ولا أقل من شمولها لهم ، ثم يعظ المؤمنين ان لا يقربوا هذا الحمى ولا يتعرضوا لسخط اللّه ، ولا يجعلوا اللّه تعالى على أنفسهم حجة واضحة فيضلهم ويخدعهم ويذبذبهم في الحياة الدنيا ، ثم يجمع بينهم وبين الكافرين في جهنم جميعا ، ثم يسكنهم في أسفل درك من النار ، ويقطع بينهم وبين كل نصير ينصرهم ،