الرسول وظهور الآيات البينات ، فهو ردة عنادا ولجاجا ، والازدياد فيه لا يكون إلا مع استقرار العناد والعتوّ في قلوبهم ، وتمكن الطغيان والاستكبار في نفوسهم ، ولا يتحقق الرجوع والتوبة ممن هذا حاله عادة .
هذا ما يقتضيه سياق الآية لو أخذت وحدها كما تقدم ، لكن الآيات جميعا لا تخلو عن ظهور ما أو دلالة على كونها ذات سياق واحد متصلا بعضها ببعض ، وعلى هذا التقدير يكون قوله
« إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا »
، في مقام التعليل لقوله
« وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ
- إلى قوله -
فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً »
ويكون الآيتان ذواتي مصداق واحد أي إن من يكفر باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر هو الذي آمن ثم كفر ثم آمن ثم كفر ثم ازداد كفرا ، ويكون أيضا هو من المنافقين الذين تعرّض تعالى لهم في قوله بعد
« بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً »
إلى آخر الآيات .
قوله تعالى :
بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ
الخ ؛ تهديد للمنافقين ، وقد وصفهم بموالاة الكافرين دون المؤمنين ، وهذا وصف اعمّ مصداقا من المنافقين الذين لم يؤمن قلوبهم ، وانما يتظاهرون بالايمان فإن طائفة من المؤمنين لا يزالون مبتلين بموالاة الكفار ، والانقطاع عن جماعة المؤمنين ، والاتصال بهم باطنا واتخاذ الوليجة منهم حتى في زمن الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم .
وهذا يؤيد بعض التأييد أن يكون المراد بهؤلاء المنافقين طائفة من المؤمنين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ، ويؤيده ظاهر قوله في الآية اللاحقة
« وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ
- إلى قوله -
إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ »
فإن ذلك تقرير لتهديد المنافقين ، والخطاب فيه للمؤمنين ، ويؤيده أيضا ما سيصف تعالى حالهم في نفاقهم بقوله
« وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا »
فأثبت لهم شيئا من ذكر اللّه تعالى ، وهو بعيد الانطباق على المنافقين الذين لم يؤمنوا بقلوبهم قط .