وأما الصديقون فالذي يدل عليه لفظه هو أنه مبالغة من الصدق ، ومن الصدق ما هو في القول ، ومنه ما هو في الفعل ، وصدق الفعل هو مطابقته للقول لأنه حاك عن الاعتقاد فإذا صدق في حكايته كان حاكيا لما في الضمير من غير تخلف ، وصدق القول طابقته لما في الواقع ، وحيث كان القول نفسه من الفعل بوجه كان الصادق في فعله لا يخبر إلّا عما يعلم صدقه وأنه حق ، ففي قوله الصدق الخبري والمخبري جميعا .
فالصديق الذي لا يكذب أصلا هو الذي لا يفعل إلّا ما يراه حقا من غير اتباع لهوى النفس ، ولا يقول إلّا ما يرى أنه حق ، ولا يرى شيئا إلّا ما هو حق فهو يشاهد حقائق الأشياء ، ويقول الحق ، ويفعل الحق .
وعلى ذلك فيترتب المراتب فالنبيون وهم السادة ، ثم الصديقون وهم شهداء الحقائق والأعمال ، والشهداء وهم شهداء الأعمال ، والصالحون وهم المتهيئون للكرامة الإلهية .
وقوله تعالى :
وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً
أي من حيث الرفاقة فهو تمييز ، قيل : ولذلك لم يجمع ، وقيل : المعنى : حسن كل واحد منهم رفيقا ، وهو حال نظير قوله :
ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا
( الحج / 5 ) .
قوله تعالى :
ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً
« ذلِكَ »
وإتيانه بصيغة الإشارة الدالة على البعيد ودخول اللام في الخبر يدل على تفخيم أمر هذا الفضل كأنه كل الفضل ، وختم الآية بالعلم لكون الكلام في درجات الإيمان التي لا سبيل إلى تشخيصها إلّا العلم الإلهي .
واعلم أن في هذه الآيات الشريفة موارد عديدة من الالتفات الكلامي متشابك بعضها مع بعض فقد أخذ المؤمنون في صدر الآيات مخاطبين ثم في قوله
« وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ »
كما مر غائبين ، وكذلك أخذ تعالى نفسه في مقام الغيبة في صدر الآيات في قوله :
أَطِيعُوا اللَّهَ
، الآية ؛ ثم