( الأنفال / 25 ) .
وكيف كان فهذا الشطر من الكلام بمنزلة التقييد بعد الإطلاق والتضييق بعد التوسعة بالنسبة إلى الشطر السابق عليه أعني قوله :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا
، إلى قوله :
وَنِساءً
، فإن محصل معنى الشطر الأول : أن اتقوا اللّه من جهة ربوبيته لكم ، ومن جهة خلقه وجعله إياكم - معاشر أفراد الإنسان - من سنخ واحد محفوظ فيكم ومادة محفوظة متكثرة بتكثركم ، وذلك هو النوعية الجوهرية الإنسانية ، ومحصل معنى هذا الشطر : أن اتقوا اللّه من جهة عظمته وعزته عندكم ( وذلك من شؤون الربوبية وفروعها ) واتقوا الوحدة الرحمية التي خلقها بينكم ( والرحم شبعة من شبع الوحدة والسنخية السارية بين أفراد الإنسان ) .
ومن هنا يظهر وجه تكرار الأمر بالتقوى وإعادته ثانيا في الجملة الثانية فإن الجملة الثانية الحقيقة تكرار للجملة الأولى مع زيادة فائدة وهي إفادة الاهتمام التام بأمر الأرحام .
والرحم في الأصل رحم المرأة وهي العضو الداخلي منها المعبأ لتربية النطفة وليدا ، ثم استعير للقرابة بعلاقة الظرف والمظروف لكون الأقرباء مشتركين في الخروج من رحم واحدة ، فالرحم هو القريب والأرحام الأقرباء ، وقد اعتنى القرآن الشريف بأمر الرحم كما اعتنى بأمر القوم والأمة ، فإن الرحم مجتمع صغير كما أن القوم مجتمع كبير ، وقد اعتنى القرآن بأمر المجتمع وعده حقيقة ذات خواص وآثار كما اعتنى بأمر الفرد من الإنسان وعده حقيقة ذات خواص وآثار تستمد من الوجود ، قال تعالى :
وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً
( الفرقان / 54 ) ، وقال تعالى :
وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا
( الحجرات / 13 ) ، وقال تعالى :
وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ
( الأحزاب / 6 ) ، وقال تعالى :
فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ
( محمد / 22 ) ، وقال تعالى :