تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 528

مساهمون:

ص٥٢٨
مقصدا للقاصدين ومعبدا للعابدين . قوله تعالى :
فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ
، الآيات وإن وصفت بالبينات ، وأفاد ذلك تخصصا ما في الموصوف إلّا إنها مع ذلك لا تخرج عن الإبهام ، والمقام مقام بيان مزايا البيت ومفاخره التي بها يتقدم على غيره في الشرف ولا يناسب ذلك إلّا الإتيان ببيان واضح ، والوصف بما لا غبار عليه بالإبهام والإجمال ، وهذا من الشواهد على كون قوله :
مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ
، إلى آخر الآية ؛ بيانا لقوله :
آياتٌ بَيِّناتٌ
فالآيات هي :
مَقامُ إِبْراهِيمَ
، وتقرير الأمن فيه ، وإيجاب حجه على الناس المستطيعين . لكن لا كما يتراءى من بعض التفاسير من كون الجمل الثلاث بدلا أو عطف بيان من قوله :
آياتٌ
لوضوح أن ذلك يحتاج إلى رجوع الكلام بحسب التقدير إلى مثل قولنا : هي مقام إبراهيم ، والأمن لمن دخله ، وحجه لمن استطاع اليه سبيلا ، وفي ذلك إرجاع قوله :
وَمَنْ دَخَلَهُ
، سواء كان إنشاء أو إخبارا إلى المفرد بتقدير أن وإرجاع قوله :
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ
، وهي جملة إنشائية إلى الخبرية ثم عطفه على الجملة السابقة وتأويلها إلى المفرد بذلك أو بتقدير أن فيها أيضا ، وكل ذلك مما لا يساعد عليه الكلام البتة . وإنما سيقت هذه الجمل الثلاث أعني قوله :
مَقامُ إِبْراهِيمَ
، الخ ؛ كل لغرض خاص من إخبار أو إنشاء حكم ثم تتبين بها الآيات فتعطي فائدة البيان كما يقال : فلان رجل شريف هو ابن فلان ويقري الضيف ويجب علينا أن نتبعه . قوله تعالى :
مَقامُ إِبْراهِيمَ
مبتدأ لخبر محذوف والتقدير فيه مقام إبراهيم ، وهو الحجر الذي عليه أثر قدمي إبراهيم الخليل عليه السّلام ، وقد استفاض النقل بأن الحجر مدفون في المكان الذي يدعى اليوم بمقام إبراهيم على حافة المطاف حيال الملتزم ، وقد أشار اليه أبو طالب عم النبي في قصيدته اللامية :
وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة * على قدميه حافيا غير ناعل