واستشهد تعالى بهذا الإحداث والاختراع والابتداع على تفرده
وتوحده في الأزلية ، وهذه الأفعال تدل وتشهد على إيجاد العالم على نحو
الحدوث الحقيقي أي المسبوقية بالعدم الصريح .
وهذه الأخبار أيضا تدل على بطلان قول القائل بأن صدور العالم عن الله
سبحانه إنما هو على نحو العلية والمعلولية ، وأن علمه تعالى علة لهذا النظام
المحدود من دون فرق بين أوله وآخره الذي لا منتهى له ، وأن هذا النظام الذي
افترضوه صدر عن علمه تعالى من دون فرق بين أوله وآخره . . أي كما أن أول
النظام معلول لعلمه تعالى كذلك آخره أيضا معلول له بلا فرق بينهما ( 1 ) .
أقول : إن الالتزام بهذه المقالة يستلزم مفاسد كثيرة :
هامش
( 1 ) قال ملا صدرا في الأسفار : القادر له أقسام . . . ومنها فاعل بالعناية ، وهو الذي منشأ
فاعليته وعلة صدور الفعل عنه ، والداعي له على الصدور مجرد علمه بنظام الفعل والجود لا
غير من الأمور الزائدة على نفس العلم كما في الواجب جل ذكره عند حكماء المشائين .
ومنها : الفاعل بالرضا ، وهو الذي منشأ فاعليته ذاته العالمة لا غير ويكون علمه بمجعوله
عين هوية مجعوله ، كما أن علمه بذاته الجاعلة عين ذاته ، كالواجب تعالى عند الاشراقيين .
( الاسفار 3 / 11 )
وقال أيضا : فإذا علمت أقسام الفاعل ، فاعلم أنه ذهب جمع من الطباعية والدهرية - خذلهم
الله تعالى - إلى أن مبدء الكل فاعل بالطبع ، وجمهور الكلاميين إلى أنه فاعل بالقصد ، والشيخ
الرئيس - وفاقا لجمهور المشائين - إلى أن فاعليته للأشياء الخارجية بالعناية ، وللصور
الحاصلة في ذاته على رأيهم بالرضا ، وصاحب الإشراق - تبعا لحكماء الفرس والرواقيين -
إلى أنه فاعل للكل بالمعنى الأخير . . . فهو إما فاعل بالعناية أو بالرضا . . . إلا أن الحق الأول
منهما ، فإن فاعل الكل - كما سيجئ - يعلم الكل قبل وجودها بعلم هو عين ذاته فيكون
علمه بالأشياء الذي هو عين ذاته منشأ لوجودها ، فيكون فاعلا بالعناية . . إلى آخره .
( الاسفار 2 / 224 )