بحيث واحد بالحقيقة .
وصريح الكتاب ومذهب أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) هو إنشاؤه تعالى الخلق
وإبداؤه مقتدرا على ذلك ومتمكنا منه ، ولا دليل للصدور الذي ذكروه من
محكمات الكتاب وقطعيات السنن وضرورة العقول القويمة . إنتهى كلامه .
أقول : تحصل من الأدلة التي أثبتنا بها حدوث العالم - بمعنى مسبوقية
جميع ما سوى الله سبحانه بالعدم - سقوط ما استدل به الفلاسفة وأتباعهم
وبطلان مبانيهم ومعتقداتهم في ما يلي :
1 - ما ذكروه في باب المبدء ، من أنه تعالى بنفس ذاته المتعالية ووجود
الأزلي علة تامة لما سواه .
2 - ما قرروه في باب العلم من أنه تعالى فاعل بالعناية ، بمعنى أنه يكفي في
صدور الأشياء علمه تعالى بها ، كما أن من غريب ادعاءاتهم قولهم بأن العلم له
شأنية العلية لإيجاد الأشياء .
3 - ما نصوا عليه في باب القدرة والمشية والإرادة من أنها هي العلم لا
غير .
4 - ما أثبتوه في باب الحدوث من أن الشئ الحادث المسبوق بالعدم
لابد أن يكون مسبوقا بمادة أو مدة .
5 - ما أسسوه في باب التوحيد من أن وجوده تعالى عين وجود
خلقه . . ( 1 ) إذ لو كانت الموجودات عين الحق ، فلا معنى لمسبوقيتها بالعدم
هامش
( 1 ) قال الملا صدرا : الموجود والوجود منحصرة في حقيقة واحدة شخصية لا شريك له في
الموجودية الحقيقية ، ولا ثاني له في العين ، وليس في دار الوجود غيره ديار . وكلما يتراءى في
عالم الوجود أنه غير الواجب المعبود فإنما هو من ظهورات ذاته ، وتجليات صفاته التي هي في
الحقيقة عين ذاته ، كما صرح به لسان العرفاء بقوله : فالمقول عليه سوى الله أو غيره أو
المسمى بالعالم فهو بالنسبة إليه تعالى كالظل للشخص ، فهو ظل الله . . . وإذا كان الامر على ما
ذكرته فالعالم متوهم ما له وجود حقيقي . . ( الأسفار : 2 / 292 )
وقال : إعلم أن واجب الوجود بسيط الحقيقة غاية البساطة ، وكل بسيط الحقيقة كذلك فهو
كل الأشياء ، فواجب الوجود كل الأشياء لا يخرج عنه شئ من الأشياء . . ( الأسفار :
2 / 368 )
وقال : إن المسمى بالعلة هو الأصل ، والمعلول شأن من شؤونه وطور من أطواره ، ورجعت
العلية والإفاضة إلى تطور المبدأ الأول بأطواره ، وتجليه بأنواع ظهوراته . . ( المشاعر : 83
وانظر : الأسفار : 2 / 300 - 301 )
وقال : الثابت بالبرهان والمعتضد بالكشف والعيان ، أن الحق موجود مع العالم ومع كل جزء
من أجزاء العالم ، وكذا الحال في نسبة كل علة مقتضية بالقياس إلى معلولها . . ( الأسفار :
7 / 331 )
وقال أيضا - في شرح الكافي ، في شرح الحديث الأول من باب جوامع التوحيد : إعلم أن ذاته
تعالى حقيقة الوجود بلا حد ، وحقيقة الوجود لا يشوبه العدم ، فلا بد أن يكون بها وجود كل
الأشياء ، وأن يكون هو وجود الأشياء كلها . . وغيرها من الموارد . ( راجع الأسفار 2 / 339 ،
341 - 342 ، 345 ، 367 و 6 / 116 - 117 ، و . . )
وقال محيي الدين ابن العربي : إن العارف من يرى الحق في كل شئ ، بل يراه عين كل
شئ . . ( شرح فصوص الحكم الفص الهاروني : 437 ط قم ، بيدار )
وقال : سبحان من أظهر الأشياء وهو عينها . . ( الفتوحات 2 / 604 )
وقال : وما خلق تراه العين إلا عينه حق . . أي ليس خلق في الوجود تشاهده العين إلا وعينه
وذاته عين الحق الظاهرة في تلك الصورة ، والحق هو المشهود ، والخلق موهوم . . ( شرح
فصوص الحكم : 244 ط قم ، بيدار )
وقال : والعارف المكمل من رأى كل معبود مجلي للحق يعبد فيه ، ولذلك سموه كلهم مع اسمه الخاص
بحجر أو حيوان أو إنسان أو كوكب أو ملك أو فلك . . ( شرح فصوص الحكم في الفص
الهاروني : 442 ط قم ، بيدار )
وقال : فما وصفناه إلا كنا نحن ذلك الوصف . . . فإذا شهدناه شهدنا نفوسنا ، لأن ذواتنا عين
ذاته ، لا مغايرة بينهما إلا بالتعين والإطلاق ، وإذا شهدنا - أي الحق - شهد نفسه أي ذاته التي
تعينت وظهرت في صورتنا . ( شرح فصوص الحكم : 85 ط قم ، بيدار ) .
وقال : فالعالم يعلم من عبد ، وفي أي صورة ظهر حتى عبد ، وأن التفريق والكثرة كالأعضاء
في الصور المحسوسة ، وكالقوى المعنوية في الصورة ، فما عبد غير الله في كل معبود . . ( شرح
فصوص الحكم : 142 ط قم ، بيدار )
. . هذا وغيرها من العقائد الفاسدة كما لا يخفى على من لاحظ الفصوص والفتوحات .
أقول : إن هذا الاعتقاد - أي القول بوحدة الوجود والموجود وأن في دار التحقق ليس إلا
حقيقة واحدة وموجود واحد وهو الوجود - لا ريب في بطلانها وفسادها عند الإمامية كما
صرح به العلامة الحلي ( في نهج الحق : 57 ) والعلامة المجلسي ( في عين الحياة : 1 / 78 الأصل
الثاني ) والمحقق الأردبيلي ( في حديقة الشيعة : 575 ) والشيخ حسن ولد الشيخ علي بن عبد
العالي الكركي ( عنه في الإثنا عشرية : 51 ) والشيخ الحر العاملي ( في الإثنا عشرية : 59 )
والفقيه الشيخ جعفر كاشف الغطاء ( في كشف الغطاء : 173 ) والعلامة البهبهاني ( في خيراتية
2 / 57 - 58 ) والشيخ عبد النبي العراقي ( في المعالم الزلفى 1 / 357 ) وصاحب العروة
والمستمسك والمهذب وتعليقة إحقاق الحق وغيرهم من الأعلام ( قدس سرهم ) .
وهذا الاعتقاد مخالف لضروريات الأديان ، والعقل ، والفطرة السليمة ، والوجدان ، ويستلزم
ارتكاب التأويل في نصوص الآيات والروايات بما لا يساعده الفهم العرفي ، ولذا تمسكوا
لإثبات مرامهم بالمتشابهات التي دلت على خلافها محكمات الكتاب والسنة ، بل مقتضى
صحة بعث الرسل وإنزال الكتب والوعد والوعيد وخروجها عن اللغوية والعبثية ومقتضى
حكم العقل والفطرة بل ضرورة الأديان هي المغايرة بينه تعالى وبين مخلوقاته حقيقة ، لا
اعتبارا كما لا يخفى .
وقد مر سابقا أن المباينة وعدم السنخية بينه تعالى وبين خلقه من أصول عقائد الإمامية ، وأن
الدليل العقلي والنقلي من الآيات المتظافرة والأحاديث المتواترة القطعية وردت في نفي
السنخية ، بل لا يكون معرفة التوحيد الحقيقي إلا بمعنى تنزه وجوده تعالى وتعاليه عن خلقه
وتباينهما .
والشرك أيضا لا يكون إلا بمعنى الإعتقاد بالتشابه بين الخالق والمخلوق .
فيا ليت شعري إذا كان الأمر كما يزعمون فمن العابد ومن المعبود ، ومن الخالق ومن المخلوق ،
ومن الآمر ومن المأمور ، ومن الناهي ومن المنتهي ، ومن الراحم ومن المرحوم . .
وقد ذكرت توهماتهم وأجبت عنها بالبراهين العقلية والنقلية في رسالتي في الرد على وحدة
الوجود . . فراجعهما إن شئت .