تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 517

مساهمون:

ص٥١٧
المعنى : ( عَبَسَ وتَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الأَعْمى ) وهو ابن أم مكتوم ، قصد الرسول الأعظم ( ص ) ليسأله عن أحكام دينه ، فأعرض عنه لاشتغاله بما هو أهم كما ذكرنا . . وكان هذا الأعمى من المهاجرين الأولين ، والمؤذن الثاني لرسول اللَّه ( ص ) واستخلفه على المدينة يصلي في الناس أكثر من مرة . وقيل : انه ولد أعمى وان اسمه عبد اللَّه ، ووصفه سبحانه بالأعمى للإشارة إلى عذره في الإلحاح بالمسألة ( وما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى ) . أي شيء جعلك داريا وعارفا بحقيقة هذا الأعمى ؟ . ولو استجبت لرغبته وألقيت بعض أحكام الدين لانتفع وعمل بما تلقيه عليه . ( أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ) . أعرضت عمن يشعر بالحاجة إلى ما عندك من علم اللَّه ، وأقبلت على من يرى نفسه في غنى عن اللَّه وعنك بما يملك من جاه ومال ، ترجو هدايته ورجوعه عن الضلال . وهل ترجى الهداية ممن أعماه الهوى والجهل : « فَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ ولَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ » - 43 يونس . ( وما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ) . لا شيء عليك ولا على الإسلام من كفر الكافر وضلاله ، ومثله : « وإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً » - 42 المائدة . ( وأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى وهُوَ يَخْشى فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ) . تشاغلت بالمشركين طمعا بإسلامهم وهدايتهم ، وتعافلت عن المؤمن الذي قصدك للاستفادة من عملك اتكالا على إيمانه ، وان في وقت التعليم سعة وفسحة . . فدع الطغاة للَّه وحده فهو لهم بالمرصاد ، وأقبل على من تفتح قلبه للهدى والخير . ( كَلَّا ) ان اللَّه لا ينصر دينه بمن يرى نفسه في غنى عن اللَّه وعنك بما عنده من جاه ومال ، وانما ينصر الحق بالطيبين أمثال هذا الأعمى ، وان كانوا من الفقراء والمساكين ( إِنَّها تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ ) . ضمير انها يعود إلى آيات القرآن أو إلى الهداية التي فيه ، وضمير ذكره يعود إلى اللَّه أو إلى القرآن ، والمعنى ان هذا القرآن كاف واف في الهداية لمن طلبها ، وما عليك يا محمد إلا البلاغ والتذكير ، ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ، ثم وصف سبحانه هداية القرآن وتعاليمه وأحكامه بقوله : ( فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ) لها شأنها وكرامتها عند اللَّه
التفسير الكاشف — صفحة 517 | محمد جواد مغنية