تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 447

مساهمون:

ص٤٤٧
محمدا تغلب على جميع الصعاب ، وقام بالأمر على أكمل وجه ، أما السر في ذلك فيكمن في شخصية محمد وقوتها وعظمتها ، وفي صبره العجيب على تحمل الأذى في سبيل دعوته ، فكان يزداد صبرا وحلما كلما ازداد الطغاة في أذاه ، ولا يزيد على قوله : « اللهم اغفر لقومي انهم لا يعلمون . . » ان لم يكن بك غضب علي فلا أبالي . وبهذا نجد التفسير الصحيح لقوله تعالى : « اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ » 124 الانعام . أجل ، اللَّه يعلم أن شخصية محمد أقوى من العقائد والتقاليد ومن الناس مجتمعين ، ولولا علمه بذلك لما بعث محمدا ليتمم للبشرية مكارم الأخلاق : « لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها » - 7 الطلاق . وقد أدرك الأديب العالمي الشهير « برناردشو » هذه الحقيقة حيث قال : لو كان محمد بن عبد اللَّه في القرن العشرين لقضى على ما فيه من فساد وضلال . ( إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وأَقْوَمُ قِيلًا ) كأن سائلا يسأل : لما ذا أمر اللَّه نبيه الكريم أن يتعبد في شطر من الليل ؟ فأجاب سبحانه : لأن قيام الإنسان من مضجعه بعد هدأة من الليل يشق كثيرا على النفس ، وأفضل الأعمال أشقها ، ولأن قلب الإنسان في الليل أصفى وأهدأ ، فتكون تلاوته للقرآن أصوب وأثبت ، وأيضا يكون أكثر تجاوبا مع ما يتلوه من الآيات . وقيل : المراد بالوطء هنا المواطأة والموافقة بين القلب واللسان ( إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا ) . الليل للعبادة والتهجد ، والنهار للعمل والسعي في طلب العيش ، وهو طويل يتسع لكل ما يحتاجه الإنسان من أعمال . وقال الشيخ عبد القادر المغربي عند تفسير هذه الآية : « قد يعترض معترض بأن قيام الليل يضعف الجسم عن المقاومة والمكافحة . وقد أجاب سيدنا علي ( ض ) عن ذلك بقوله : « وكأني بقائلكم يقول : إذا كان هذا حال علي بن أبي طالب - أي التخشن والتهجد - فقد قعد به الضعف عن قتال الأقران ومنازلة الشجعان ألا وان الشجرة البرية أصلب عودا والروائح الخضرة أرق جلودا ، والنباتات البدوية أقوى وقودا وأبطأ خمودا ، وأنا ورسول اللَّه كالصنو من الصنو ، والذراع من العضد . أي انه هو وسيدنا رسول اللَّه ( ص ) من أصل واحد في العمل والطريقة
التفسير الكاشف — صفحة 447 | محمد جواد مغنية