تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 499

مساهمون:

ص٤٩٩
ولا هدف إلا الهروب من الحق . ( قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وشِفاءٌ » القرآن هدى لمن طلب الهدى والحق لوجه الحق ، وشفاء لمن طلب الشفاء من الكفر والنفاق . قال الإمام علي ( ع ) : « ان في القرآن شفاء من أكبر الداء ، وهو الكفر والنفاق والبغي » . ( والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى » القرآن هدى ونور للمخلصين ، وعمى لعيون المنافقين ، وصمم لأسماعهم ، ومرض لقلوبهم ( أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ » . ناداهم القرآن في الدنيا بدعوة اللَّه فلم يستجيبوا له ، حتى كأنه لا نداء ، أو ان النداء بعيد لا تسمعه الآذان . . وأيضا سوف يناديهم المنادي يوم القيامة : ألا كل حارث مبتلى في حرثه وعاقبة عمله غير حرث القرآن كما في نهج البلاغة . وقال المفسرون : ان قوله تعالى : « مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ » إشارة إلى أنهم لا يسمعون ولا يفهمون تماما كالذي يدعى بصوت بعيد عنه لا يسمعه ولا يفهمه . . ويلاحظ بأن هذا المعنى يناقض الغرض المطلوب من النداء لأنه غير مسموع . والأرجح أن يكون قوله تعالى : من مكان بعيد إشارة إلى أن الصيحة تأتي من السماء ولكن يسمعها الجميع ، ويدل على ذلك قوله تعالى : يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ - 42 ق . ( ولَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ » . المراد بالكتاب التوراة ، وقد اختلفوا فيها عند نزولها ، فمن مصدق ومكذب ، وكذلك اختلفوا في القرآن عند نزوله ، فمن مؤمن به وكافر ( ولَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ » . لقد شاءت حكمته تعالى أن يؤخر عذاب المجرمين إلى يوم يبعثون ، ولولا ذلك ما ترك على ظهرها من طاغ ولا أثيم ( وإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ » . ضمير انهم يعود لمشركي العرب ، وضمير منه للقرآن ، والمراد بالشك هنا الجدل بغير العلم والحق ، والمعنى انهم يجادلون في القرآن ، ولكن بالجهل والباطل وتقدمت هذه الآية بنصها الحرفي في سورة هود الآية 110 ج 4 ص 272 ( مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ ومَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ » . تكرر هذا المعنى في العديد من الآيات ، منها الآية 54 من سورة يس : فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً ولا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . والآية 17 من سورة غافر : الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ وكثير غيرها من الآيات التي تنطق بأن الإنسان مخير غير مسير .
التفسير الكاشف — صفحة 499 | محمد جواد مغنية