المعنى :
( ولَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهً ) . تقدم في الآية 73 من سورة الأعراف والآية 61 من سورة هود « فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ » فريق آمن بالحق ، وفريق كذّب به ، لأنه يصطدم مع منافعهم وأغراضهم ، ومن هنا وقع الخصام بين الفريقين ، ولولاها لقال الفريق الثاني للأول : لكم دينكم ولي دين .
« قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْ لا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهً لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ » .
أنذر صالح المكذبين بالعذاب ان أصروا على الضلال والعناد ، فقالوا ساخرين :
ائتنا بما تعدنا ان كنت من الصادقين كما في الآية 77 من سورة الأعراف ، فقال لهم بعطف ولين : علام تستعجلون نقمة اللَّه ، وهو سبحانه لم يعاجلكم بها ، وأمهلكم طويلا لترجعوا عن غيكم . . فخير لكم أن تتوبوا إليه ، وتطلبوا منه الرحمة ، وهو كريم وغفور رحيم يقبل منكم التوبة ، ويشملكم بعفوه ورحمته .
« قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَنْ مَعَكَ » . التطير التشاؤم . . بعد أن دعاهم صالح إلى اللَّه ، وأعرضوا عن دعوته أصابهم المرض والجدب ، فتشاءموا به ، وبدعوته وبمن أمن به وبها . « قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ » . ان الذي نزل بكم من البلاء هو بإرادة اللَّه التي تنتهي إليها جميع الأسباب ، وتقدم نظيره في الآية 131 من سورة الأعراف ج 3 ص 384 . وكان النبي ( ص ) يحب الفأل لأن فيه الأمل والثقة باللَّه ، ويكره الطيرة لأن فيها التوقع للبلاء ، وفي الحديث : إذا تطيرت فامض ، وإذا حسدت فلا تبغ ، وإذا ظننت فلا تحقق « بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ » تختبرون بالسراء والضراء لتظهر أفعالكم التي تستحقون بها الثواب والعقاب .
« وكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ ولا يُصْلِحُونَ » . كانوا من المترفين يتطاولون على الناس بثرائهم ، ويتخذون منه أداة للاستبداد والإفساد في الأرض ، ويقاومون كل مصلح ومحب للخير ، ولم يكن فيهم جهة تذم وجهة تمدح ، بل كل ما فيهم قبيح ومذموم ، وهذا هو المراد بقوله تعالى :
ولا يصلحون . « قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وإِنَّا لَصادِقُونَ » . ضمير تقاسموا يعود للتسعة المفسدين ، وضمير لنبيتنه وأهله
التفسير الكاشف — صفحة 26
مساهمون: محمد جواد مغنية
ص٢٦