تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
إذا تمهد هذا عرفنا ان الذين اتخذوا من دون اللَّه أولياءهم عبدة الأوثان ، ومن أعرض عن اللَّه مغترا بمال أو علم وفهم أو سلطان ، ومن بغى وسعى في الأرض فسادا . . وقد شبه سبحانه قوة هؤلاء ببيت العنكبوت الذي يبقى إذا سكنت الرياح ، ولم يعترضه أي عارض ، وإذا هبت الريح أو اعترضه أدنى شيء يصبح هباء لا عين له ولا أثر . . وبكلام آخر ان كل من أعرض عن اللَّه سبحانه معتمدا على وثن أو علم أو مال أو سلطان فهو من الذين اتخذوا من دون اللَّه أولياء ، ومن يتخذ من دون اللَّه وليا فهو من الخاسرين . وفي كتاب الحيوان للجاحظ « ان ولد العنكبوت يقوم على النسج ساعة يولد ، ومادة نسيجه من الخارج لا من جسده ، وانه لما عرف عجزه عما يقوى عليه الليث احتال بخيوطة على صيد الذباب من أجل قوته » . وعلى كل عاقل أن يسأل نفسه وعقله : من الذي ألهم العنكبوت فن النسج ودله ساعة يولد على المادة التي تصلح لنسجه ؟ وأي مهندس وضع له تصميم هذا البيت على شكل مصيدة للذباب ؟ وهل جاء هذا بالصدفة ؟ وإذا تكررت الصدفة مرتين أو ثلاثا فهل تتكرر في كل عنكبوت ولد ويولد إلى ما لا يبلغه عد ، ولا حصر ؟ تعالى اللَّه عما يقول المفترون . . كلا ، انه خلق فسوّى ، وقدّر فهدى . « إِنَّ اللَّهً يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ » أي من الأوثان وغيرها مما يعتمدون عليه من دون اللَّه كالمال والسلطان ، والمعنى انه تعالى يعلم حقيقة هذه الأشياء التي يعتزون بها وانها لا تغني عن اللَّه شيئا « وهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » . عزيز بقدرته ، حكيم بتدبيره . « وتِلْكَ الأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ » . تلك إشارة إلى مثل العنكبوت ونظائره ، وأنه تعالى ينبه الناس بها إلى وحدانيته وعظمته ، ولكن لا يفهم هذه الأمثال وغيرها من آيات اللَّه إلا أهل العقول والبصائر . « خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأَرْضَ بِالْحَقِّ » أي على وجه الحكمة والمصلحة ، ولم يخلقها عبثا ولهوا ، والحكمة من خلقها أن تسكنها الخلائق ، وينتفعوا بها ، ويستدلوا بصنعها وعجائبها على وحدانية اللَّه وعظمته « إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ » . ذلك إشارة إلى الإتقان والنظام في خلق السماوات والأرض . . وهذا الإتقان دليل قاطع على وحدانية اللَّه وعظمته عند المنصفين الذين يبتغون الحق ، ويؤمنون به لوجه الحق .