تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
واستأذنه في التخلف ، وهذا الصنف هم المعنيون بقوله تعالى : ( وجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ ) . الصنف الثاني : قعدوا كاذبين على اللَّه ورسوله ، وإليهم أشار بقوله : ( وقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهً ورَسُولَهُ ) . وتقسيم المتخلفين إلى معذرين وكاذبين يدل على أن المراد بالمعذرين من تخلف لعذر صحيح ، ولذا سكت اللَّه عن المعذرين ، ولم يهددهم بالعذاب الأليم ، كما هدد الكاذبين بقوله : ( سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) . وتسأل : ان سياق الآية يقتضي حذف ( منهم ) لأن الكاذبين على اللَّه ورسوله كلهم كافرون ، لا بعضهم ؟ . وأجاب الرازي بأنه تعالى كان عالما ان البعض منهم سيؤمن ، ويتخلص من العقاب ، فذكر لفظة ( من ) للدلالة على التبعيض . . والذي نراه نحن في الجواب : ان الذين قعدوا كاذبين على اللَّه ورسوله على صنفين : منهم من كذبوا في اعتذارهم طلبا للراحة وفرارا من أعباء الجهاد ، مع إيمانهم باللَّه ورسوله ظاهرا وباطنا ، وهؤلاء ليسوا بكافرين بل متهاونين . وصنف اعتذروا مع إنكارهم باطنا نبوة محمد ( ص ) . وهؤلاء كافرون مستحقون للخلود في العذاب . فجاءت كلمة منهم للدلالة على أن الكافرين هم الذين تخلفوا منكرين الرسالة ، دون الذين تخلفوا تهاونا ، لا جحودا . ( لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ ولا عَلَى الْمَرْضى ولا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ ) . استنفر النبي ( ص ) الناس للجهاد ، فبادر إليه قوم ، وتخلف آخرون ، ومن هؤلاء المنافقون والكاذبون على اللَّه ورسوله ، وتقدم الحديث عنهم ، ويأتي أيضا ، ومنهم أصحاب الأعذار الحقيقية ، وهؤلاء لا أثم عليهم ولا لوم ، وهم ثلاثة أصناف : 1 - الضعفاء العاجزون عن القتال لشيخوخة ، أو لعلة في أصل تكوينهم ، كمن خلق ضعيفا في بدنه لا يطيق القتال بحال . 2 - المرضى ، والفرق بين المريض والضعيف ان علة المريض غير ملازمة لخلقه وتكوينه ، مع العلم بأن كلا منهما يجوز إطلاقه على الآخر . 3 - الفقراء الذين لا يجدون النفقة ولا من يضمنها لهم . . فإن وجود مثل هؤلاء بين المقاتلين يخلق لهم مشكلة تعوقهم عن بلوغ الهدف المطلوب .