تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 523

مساهمون:

ص٥٢٣
( ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ ولَهُمْ ما يَشْتَهُونَ ) . سمعوا ان للَّه ملائكة ، فتوهموها إناثا بل بناتا للَّه تعالى عما يصفون ، فأضافوا إليه ما يكرهونه لأنفسهم ، ولهم البنون الذين يحبون ، قال تعالى : « أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ واتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً - 40 الاسراء » . وفي بعض التفاسير ان العرب الذين اعتقدوا هذا هم خزاعة وكنانة . ( وإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وهُوَ كَظِيمٌ ) . هذا كناية عن شدة همه وحزنه بالبنت ، وتقول العرب لمن لقي مكروها : اسود وجهه . وعلى الرغم من أن هذه عادة جاهلية ، وقد ندد بها القرآن وسفّه أهلها - فإن كثيرا من المسلمين يكرهون البنات ، وتسود وجوههم إذا بشروا بالأنثى . ( يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ ) . كان الرجل في الجاهلية إذا ظهرت آثار الطلق بامرأته اختفى إلى أن يعلم بالمولود ، فإن كان ذكرا ظهر وابتهج وان كان أنثى حزن ، وفكّر ما ذا يصنع بهذا المولود المشؤوم : ( أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ ) ؟ . فيبقيه متحملا المذلة والمهانة ( أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ ) حيا ؟ . ويروى ان بعض العرب كانوا يدفنون البنات وهن أحياء ، وبعضهم كانوا يرمونها من شاهق ، وآخرون يذبحونها ، ومنهم من كانوا يغرقونها ، إما للغيرة والحمية ، وإما خوفا من الفقر والاملاق كما أشارت الآية 151 من سورة الأنعام : « ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم » . أنظر ج 3 ص 271 و 283 . وروي ان رجلا قال : يا رسول اللَّه : ما أجد حلاوة الإسلام منذ أسلمت ، فقد كانت لي في الجاهلية ابنة ، فأمرت امرأتي أن تزينها ، فأخرجتها إليّ ، فانتهيت بها إلى واد بعيد القعر ، فألقيتها فيه ، فقالت : يا أبتي قتلتني ، فكلما ذكرت قولها لم ينفعني شيء . . وقد يظن أن الدافع على هذه القسوة الجهل وتخلَّف البيئة عن الحضارة والمدنية ، ولكن نحن الآن في عصر الفضاء ، ومع هذا يلقي المستعمرون والصهاينة قنابل النابالم في فيتنام وفلسطين على الشيوخ والأطفال والنساء . . يلقونها لا للغيرة والحمية ولا خوفا من الفقر والاملاق ، بل لزيادة الأرباح ، وتكديس الثروات وتراكمها ، فأي الفريقين أقبح وأسوأ ؟ أهل الجاهلية ، أو المستعمرون والصهاينة في عصر