تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 384

مساهمون:

ص٣٨٤
لأن كل مخلوق فهو معلوم لدى خالقه . وبتعبير محيي الدين بن العربي : ان ما من موجود في العالم الا وله وجه خاص إلى موجده . . ثم اختلف الفلاسفة وعلماء الكلام في أن اللَّه يعلم الجزئيات كأفراد الحيوان والنبات والجماد علما مباشرا ومن غير توسط ، أو يعلمها بتوسط أسبابها وما تتولد منه ؟ . قال المتكلمون بالأول ، وذهب الفلاسفة إلى الثاني . ونحن لا نرى أية جدوى في هذا الخلاف ، لأن على المسلم أن يؤمن بأن علم اللَّه شامل لكل شيء كليا كان أو جزئيا ، حتى خفقة القلب واللمحة في الذهن ، أما الايمان بأن علمه تعالى على هذا النحو دون ذاك فليس من الدين في شيء . . وهناك أحاديث تنهى عن التفكر في ذات اللَّه ، وتأمر بالتفكر في خلقه وصنعه . ( وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ ) فلا يخلقه عبثا ومن غير أصول ، بل لكل شيء حده ونظامه في الكم من حيث أجزاؤه ومقوماته وخواصه وآثاره ، وفي الكيف من حيث شكله وصورته ومكانه وزمانه ، وأسبابه وسننه - كل ذلك على ما تستدعيه الحكمة والمصلحة . . وكل ما يستطيعه الإنسان هو أن يرى ويراقب ، ويعادل ويقيس ، وقد يخطئ أو يصيب ، لأن علم الإنسان مكتسب يفتقر إلى سبب ، وكثيرا ما يظن أن هذا الشيء سبب للعلم بكذا ، وهو في واقعه جهل محض ، أما علمه تعالى فهو ذاتي وعين الواقع . ( عالِمُ الْغَيْبِ والشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ ) . ليس المراد بالكبر الضخامة ، وبالعلو المكان المحسوس ، بل هما كناية عن عظمة اللَّه في ذاته وصفاته ، وعالم الغيب ما غاب عنا علمه ، وعالم الشهادة ما نراه ونشاهده . . ان الكون مليء بالمخلوقات من شتى الأجناس والأصناف العلوية والسفلية ، فمن الجراثيم إلى الإنسان والملائكة ، ومن المعادن إلى النبات والحيوان ، إلى الماء والهواء ، وما فيهما ، إلى ما لا نهاية ، وقد يعلم الإنسان طرفا من أشياء الكون ، ولكن علمه مهما بلغ لا يعد شيئا إلى جانب ما غاب عنه ، فأكثر الحقائق وضوحا تبطن الكثير من الأسرار ، ولا يعلم كلّ ما في الكون الا خالق الكون ، فهو وحده الذي يتساوى لديه السر والعلن ، والغائب والشاهد وما أوتيتم من العلم الا قليلا . ( سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ ومَنْ جَهَرَ بِهِ ومَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وسارِبٌ