تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
الجزيرة العربية - أمر في هذه الآية بقتال أهل الكتاب إذا لم يعطوا الجزية ويخضعوا لحكم الإسلام . وقد وصفهم اللَّه بأنهم لا يؤمنون باللَّه واليوم الآخر ، ولا يحرمون حرام اللَّه ، ولا يدينون بالحق . وتجدر الإشارة إلى أن ( من ) في قوله تعالى : ( مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ) هي لبيان الجنس ، تماما كما في قوله : ( فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثانِ ) . وقيل : هي للتبعيض مثل منهم كذا ، ومنهم كذا . وهنا سؤالان : الأول ان الآية نفت عن أهل الكتاب الإيمان باللَّه واليوم الآخر ، مع العلم بأنهم يؤمنون بوجود اللَّه ، لأن كلمة أهل الكتاب تدل بذاتها على ايمانهم باللَّه الذي أنزل التوراة والإنجيل ، وكذلك يؤمنون باليوم الآخر بنص الآية 80 من سورة البقرة : « وقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً » . . أجل ، انهم لا يدينون دين الحق ، فاليهود يعبدون المال ، والكنيسة تبيع صكوك الغفران ، وتقول بالحلول والاتحاد . ونجد الجواب في الآية التي بعد هذه الآية بلا فاصل ، وهي قوله تعالى : ( وقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ) . ووجه الجواب ان اليهود والنصارى جعلوا للَّه ولدا ، ومعنى هذا انهم يؤمنون بإله لا وجود له إلا في أوهامهم ، أما الإله الموجود حقا وواقعا فإنهم لا يؤمنون به . . فلقد تصوروا من عندياتهم إلها موصوفا بأنه يلد أولادا ، ونظَّموا علاقاتهم معه وفقا لهذا التصور الخاطئ ، أما الإله الحقيقي ، وهو الذي لم يلد ولم يولد ، فإنهم لا يؤمنون به ، ولا تربطهم به أية رابطة قريبة أو بعيدة . وبكلمة أخصر وأوضح ان الإله الموجود لا يؤمنون به ، والإله الذي يؤمنون به لا وجود له . والنتيجة الحتمية لذلك انهم لا يؤمنون باللَّه ، وبديهة ان من لا يؤمن باللَّه لا يؤمن بالآخرة إيمانا صحيحا ، ولا يدين دين الحق ، وان خيل إليه انه من المؤمنين بالآخرة ، والمتدينين بالحق ، لأن الإيمان باللَّه هو الأصل ، وما عداه فرع ، أي انه يؤمن بالآخرة والدين اللذين لا عين لهما ولا أثر إلا في خيالهم ، كقولهم : لا تمسنا النار إلا أياما معدودة . . وهذا هو الدين الذي يصدق فيه قول من قال : ان الدين من صنع الوهم والخيال ، وانه يبتعد بصاحبه عن حقيقته وواقعه .