تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
حوتا عظيما حبس عليهم سفينتهم ، فأيقنوا انه يطلب واحدا منهم ، فاتفقوا على الاقتراع ، فوقع السهم على يونس ، فألقوه أو ألقى هو نفسه في البحر ، فابتلعه الحوت ، كما جاء في سورة الصافات : وان يونس لمن المرسلين إذ ابق - أي هرب - إلى الفلك المشحون فساهم فكان من المدحضين - أي المغلوبين بالقرعة - فالتقمه الحوت وهو مليم ، أي وهو يلوم نفسه . وألهم اللَّه الحوت ان يطوي يونس في بطنه ، دون ان يمسه بأذى ، وفزع يونس إلى ربه يناديه ويستجير به ، وهو في جوف الحوت ( 1 ) ، والى هذا أشارت الآية 87 من سورة الأنبياء : « فنادى في الظلمات ان لا إله إلا أنت سبحانك اني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين » . ثم نبذه الحوت على ساحل البحر بعد ان لبث في جوفه ما شاء اللَّه ان يلبث . قال المفسرون : ان يونس خرج من بطن الحوت كالفرخ الممتعط ، وان اللَّه أنبت عليه شجرة من يقطين يستظل بها ، وذلك حيث يقول عز من قائل : « فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ - أي في مكان خال من النبات - وهُوَ سَقِيمٌ وأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ - 146 الصافات » . قالوا ، وعاد يونس بعد هذا إلى قومه ، ففرحوا بقدومه ، وفرح هو بإيمانهم . ( ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً ) . أي لو شاء اللَّه ان يكره الناس على الايمان ويلجئهم إليه إلجاء ، أو يخلقهم منذ البداية مؤمنين - لو شاء ذلك لما وجد كافر على ظهرها ، ولو فعل لبطل الثواب والعقاب ، وكان فعل الإنسان كالثمرة على الشجرة . . وسبق نظير هذه الآية في سورة الأنعام : « ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى - 35 » . . « ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا - 107 » وفي سورة البقرة : « ولَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ - 253 » . وتكلمنا عن ذلك مفصلا في ج 1 ص 388 . ( أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) الخطاب لمحمد ( ص ) ، والمعنى لقد شاءت حكمته تعالى ان يكون الخيار في الانقياد إلى الحق ، أو عناده بيد
هامش
( 1 ) . لو تنبه إلى هذه الآية الكريمة الذين ينسبون المخترعات الحديثة إلى القرآن لقالوا : ان حوت يونس يشير إلى الغواصة . انظر المجلد الأول من هذا التفسير ص 38 ، فقرة « القرآن والعلم الحديث » .