تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 505

مساهمون:

ص٥٠٥
يا محمد اللَّه والمؤمنون برسالتك ، ودليلنا على ذلك قوله تعالى في الآية السابقة 62 : فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالْمُؤْمِنِينَ فإنها صريحة بأن اللَّه والمؤمنين نصروا محمدا ، فكذلك : « حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ » . ومهما يكن ، فان القصد أن يطمئن النبي ويعلم بأن معركته مع الكافرين مضمونة على كل حال ، لأن القوة التي تسانده لا غالب لها . « يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ » . يقول جل ثناؤه لنبيه : شجع يا محمد أصحابك على القتال ، وأخبرهم بأنهم كفء لأعداء اللَّه وأعدائهم ، حتى ولو زاد عددهم عشرة أضعاف ذلك بأن المؤمنين يفقهون أمر اللَّه ، ويعتقدون باليوم الآخر ، وان السعادة تنال بالجهاد والاستشهاد ، فيقدمون عليه بنية صادقة ، وعزم قوي ، أما الكافرون فإنهم لا يفقهون أمر اللَّه ، ولا يعتقدون بالمعاد ، ولهذا يحجمون شحّا بحياتهم وحرصا عليها من الفناء والحرمان . « الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ » . أطال المفسرون والفقهاء الكلام حول هذه الآية ، فمنهم من قال : إنها ناسخة للآية المتقدمة التي فرضت على المسلم أن لا يفر من عشرة ، وقال آخر ، شق على المسلمين أن يقابل الواحد منهم عشرة ، فجاء التخفيف بقوله : « الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ » الخ ، وأفتى الفقهاء استنادا إلى هذه الآية بتحريم الفرار من الزحف إلا إذا كان عدد جيش العدو أكثر من ضعف عدد جيش المسلمين . . وبينا عند تفسير الآية 15 من هذه السورة ان الفقهاء لا يملكون الفتوى بذلك ، وان الأمر فيه يترك لتقدير قائد الجيش الخبير الأمين وحده . ومن أجل هذا نرجح ان الآيتين هذه والتي قبلها لم تردا لبيان حكم الفرار من الزحف بوجه عام ، وإنما هما خاصتان بالنبي وأصحابه فقط ، ولا تتجاوزان إلى غيرهم ، واللَّه أعلم بمراده .