تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 440

مساهمون:

ص٤٤٠
ولا بد من الإشارة إلى أن قوله تعالى : « وإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ » هو مجرد فرض لمكان ان الشرطية ، تماما كقوله : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ . وبديهة ان فرض المحال ليس بمحال ، وفي المجلد الثاني صفحة 75 فقرة الأنبياء والمعصية بيّنا ان للَّه سبحانه أن ينهى أنبياءه المعصومين عن المعصية ، لأن نهيه من الأعلى إلى من هو دونه ، وليس لأحد غير اللَّه أن يأمرهم أو ينهاهم . « إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا » . ما من انسان إلا وتنازعه اندفاعات نفسية ، بعضها عاطفي ، وبعضها عقلي ، وبعضها ديني ، وفي الأغلب ينهزم الدين والعقل أمام العاطفة ، لأنها تنبع من ذات الإنسان ، وتلازمه منذ تكوينه في بطن أمه ، والعقل متأخر عن العاطفة في الوجود ، وهو ينمو بالدرس والتجربة ، أما الدين فنزل لترويض العاطفة وكبح جماحها . فهو أضعف العوامل والانفعالات . . اللهم إلا إذا اقتنع الإنسان به اقتناعه بنفسه وكيانه ، بحيث لا يرى لنفسه وجودا سعيدا إلا بالدين والعمل بأحكامه ، وهذا النوع من المتدينين هم الذين يتغلب دينهم على ميولهم ، وهم المعنيون بقوله تعالى : « إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا » . أي إذا أغراهم الشيطان بمعصية اللَّه ، أو وسوست لهم النفس الأمارة بذلك تذكروا ما أمرهم اللَّه به ، وما نهاهم عنه « فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ » مكائد الشيطان ووسوسة النفس ، فيحجمون عن المعصية ، ويتغلب دينهم على أهوائهم . « وإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ » . المراد بالإخوان هنا الشياطين ، والضمير في إخوانهم يعود إلى المشركين الذين تقدم ذكرهم ، والضمير المرفوع في يمدونهم يعود إلى الشياطين ، والضمير المنصوب يعود إلى المشركين ، والمراد بلا يقصرون لا يكف الشياطين عن أمداد المشركين بالإغواء والإفساد ، وملخص المعنى ان الشياطين هم إخوان المشركين لا يكفون عن غوايتهم وتضليلهم . « وإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْ لا اجْتَبَيْتَها » . كان المشركون يطلبون من النبي آيات ومعجزات معينة على سبيل التعنّت ، فإذا لم يأتهم بها قالوا له : هلا تأتي بها أنت من نفسك ؟ . ألست نبيا ؟ . « قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي » .
التفسير الكاشف — صفحة 440 | محمد جواد مغنية