تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 398

مساهمون:

ص٣٩٨
يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأَعْداءَ ولا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ » . يريد بالأعداء الذين عبدوا العجل ، لأنهم اتخذوا هارون عدوا ، وأرادوا قتله حين نهاهم عن الشرك وعبادة العجل ، فكأنه يقول لأخيه موسى : أتكون عليّ مع أعدائي وأعدائك ، فتأخذ برأسي ولحيتي أمامهم ليشمتوا بي ؟ . وكيف تغضب مني كغضبك منهم ، وأنا بريء منهم ومن أفعالهم ، ووقفت منهم موقف المعارض والمفند ، ولم أقصّر بما وجب عليّ من النصح والتحذير . وهنا يلين موسى ( ع ) ، وتأخذه عاطفة الرحمة والأخوة « قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولأَخِي وأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ » . استغفر لنفسه لما كان من قسوته مع أخيه ، واستغفر لأخيه مخافة تقصيره في هدايتهم وردعهم عن الشرك والارتداد . . وليس من شك ان اللَّه قد استجاب لدعوة موسى ( ع ) لأنه أرحم الراحمين ، ولعلمه بإخلاص موسى وهارون . « إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ » . وتسأل : تدل هذه الآية بظاهرها على أن الذين اتخذوا العجل قد غضب اللَّه عليهم ، وأذلهم في الحياة الدنيا إلى يوم يبعثون ، مع العلم بأنهم تابوا واستغفروا اللَّه وسألوه الرحمة كما نصت الآية السابقة 149 . واللَّه سبحانه هو القائل : ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ - 119 النحل . إذن كيف لزم الغضب الأبدي واللعنة الدائمة من تاب عن عبادة العجل ؟ . وأجاب البعض بأن الذين عبدوا العجل انقسموا بعد رجوع موسى إليهم إلى فرقتين : فرقة تابت توبة صحيحة ، وهؤلاء قد غفر اللَّه لهم . وفرقة أصرت واستمرت على الشرك كالسامري وأشياعه ، وهؤلاء هم الذين غضب اللَّه عليهم وأذلهم في الحياة الدنيا . ويلاحظ بأنه لا شيء في الآية يدل على هذا التقسيم . . وأنسب الأجوبة ان اللَّه قد علم أن اليهود لا يتوبون ولن يتوبوا أبدا عن الضلال واتباع الشهوات توبة خالصة ، لا ردة بعدها ، ويدل على هذه الحقيقة طبيعتهم وسيرتهم ، فإنهم كانوا وما زالوا لا يزدجرون من اللَّه والضمير بزاجر ، ولا يرتدعون عن الضلال والفساد برادع إلا القوة وحدها .
التفسير الكاشف — صفحة 398 | محمد جواد مغنية