تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
عيسى ( ع ) أتى بعقيدة التوحيد : « وإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ . قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ . إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي ولا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ . ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهً رَبِّي ورَبَّكُمْ وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ » ( 115 المائدة ) . وظلت عقيدة التوحيد عند كثير من المسيحيين ، ولم تعلن عقيدة التثليث مدعومة بالقوة إلى سنة 325 م حيث أصدر مجمع نيقية قرارا بإثبات ألوهية المسيح ، وتكفير من يقول : انه انسان ، وحرق جميع الكتب التي تصفه بغير الألوهية ، ونفذ قسطنطين إمبراطور الرومان هذا القرار ، وأصبح المسيح إلها عندهم بعد أن كان بشرا ، وصدق عليهم قول الفيلسوف الصيني ( لين يوتانغ ) : ان الإغريق جعلوا آلهتهم مثل الرجال ، أما المسيحيون فقد جعلوا الرجال مثل الآلهة ( 1 ) . وبهذا يتبين معنا ان الاعتقاد بألوهية عيسى ( ع ) كان قبل نزول القرآن بحوالي ثلاثة قرون - إذن - يكون المعنى المراد من قوله تعالى : ( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهً هُوَ الْمَسِيحُ ) المعنى الظاهر من اللفظ ، ولا داعي للتأويل بالحلول والاتحاد ، كما فعل كثير من المفسرين القدامى زاعمين ان أكثر النصارى لا يقولون بربوبية عيسى ، بل يقولون : ان اللَّه حل به ، أو اتحد معه ، وعليه فلا تعدد . . وقال صاحب تفسير المنار : « ان أمثال الزمخشري والبيضاوي والرازي لا يعتد بما يعرفون عن النصارى ، لأنهم لم يقرؤا كتبهم ، ولم يناظروهم فيها » . وصدق صاحب المنار ، فان من يرجع إلى كتبهم يجدها صريحة في التثليث ، ونقل الشيخ أبو زهرة الكثير منها في كتاب « محاضرات في النصرانية »
هامش
( 1 ) . المجامع عند النصارى تنقسم إلى ثلاثة أقسام : مجامع مسكونية ، أي تجمع رحال الكنيسة في جميع أنحاء المعمورة ، وهذه حكمها لا يرد ، ومجامع ملية ، أي تختص بملة دون ملة ، ومجامع إقليمية ، أي خاصة بإقليم دون إقليم . . وتجدر الإشارة إلى أن أبا حنيفة يقول : ليس للَّه احكام واقعية ، وان حكمه ما يراه المجتهد بالذات ، أي ان حكم اللَّه واقعا ما حكم به الفرد فضلا عن الجماعة والمجامع .
التفسير الكاشف — صفحة 37 | محمد جواد مغنية