تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 319

مساهمون:

ص٣١٩
هناك بقوله قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ . وفسرنا كلا من الزعم ودحضه . أما هنا فقد رد عليهم سبحانه بقوله : « قُلْ إِنَّ اللَّهً لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ » بل الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ ويَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ - 268 البقرة . « أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ » . وكل من قال من غير علم فهو مفتر كذاب ، وقد خاب من افترى . « قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ » وهو العدل والاستقامة ، وقال الطبرسي : القسط اسم جامع لجميع الخيرات ، وأيا كان معنى القسط فان الأمر به يكذّب زعمهم بأن اللَّه أمرهم بالفاحشة « وأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ » . المراد بأقيموا وجوهكم العبادة للَّه ، وكلمة المسجد اسم لمكان السجود وزمانه ، ولكن كثر استعمالها في البناء المعروف المختص بالعبادة ، حتى صار اسما لا يشاركه فيه سواه ، وليس المراد بكل مسجد جميع المساجد ، بل المراد مسجد من المساجد أيا كان ( 1 ) ، والمعنى ان اللَّه يأمركم بإقامة العبادة في أي مسجد اتفق ، على أن تخلصوا له في دينكم وعبادتكم « كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ » إليه يوم القيامة للحساب والجزاء ، وفي هذا تهديد وإنذار لمن يخالف ما أمر اللَّه به من العدل وإقامة العبادة والإخلاص . « فَرِيقاً هَدى » وهم الذين اتخذوا اللَّه وليا ، وامتثلوا أمره ونهيه ، ولم تخدعهم زخارف الشيطان وأباطيله « وفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ » ولهم في الآخرة عذاب عظيم ، ذلك « إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ » ومن يتخذ الشيطان وليا من دون اللَّه فقد خسر خسرانا مبينا « ويَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ » في ارتكاب الفواحش ، وتقليد الآباء ، والافتراء على اللَّه الكذب قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً - 105 الكهف .
هامش
( 1 ) . للعموم معنيان : استغراقي مثل جاء كل رجال البلد ، أي لم يتخلف منهم أحد ، وعموم بدلي مثل أريد رجلا من البلد أي أيّ رجل كان ، وكلمة كل وضعت للاستغراق ، وقد تستعمل للبدل كما في الآية .
التفسير الكاشف — صفحة 319 | محمد جواد مغنية